ومضـة

بناء مجتمع

مها عمر
مها عمر

بقلم: مها عمر

أيام قليلة وتهل علينا سنة هجرية جديدة، لتذكرنا بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لم تكن مجرد بداية لتاريخ جديد، بل كانت بداية لتكوين مجتمع حمل معاني الدين في صورته العملية.

اقرأ أيضا| الابتلاءات المفاجئة
 

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج من مكة باحثًا عن نجاة شخصية أو راحة بعد سنوات الأذى، وإنما خرج ليقيم أمة تقوم على العقيدة والنظام والرحمة والعدل، ولذلك ظلت الهجرة حدثًا مختلفًا في تاريخ البشرية كلها.

 

فحين وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يبدأ ببناء أسوار ولا جمع مظاهر القوة، وإنما بدأ ببناء الإنسان نفسه. فكان المسجد أول ما قامت عليه الدولة الجديدة، ليكون مكانًا للصلاة والعلم والشورى واجتماع المسلمين. ومنه تعلم الصحابة القرآن وأحكام الدين، وفيه تربت النفوس على الطاعة والانضباط وتحمل المسئولية. قال الله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾.

ثم جاءت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتصنع صورة نادرة من صور التراحم الإنساني، بعدما أزال الإسلام الفوارق التي كانت تحكم الناس قبل ذلك من نسب وقبيلة ومال. ولم تكن المؤاخاة كلمات تقال، بل مشاركة حقيقية في الحياة والعمل والرزق، حتى أصبح المجتمع الجديد قائمًا على التعاون والتكافل لا على المصالح الضيقة.

كما نظم الرسول صلى الله عليه وسلم العلاقة مع غير المسلمين داخل المدينة، فوضع عهدًا يحفظ الحقوق وينظم الواجبات ويؤكد أن الإسلام دين عدل لا يعرف الفوضى أو الاعتداء. ولذلك نجحت المدينة في أن تصبح مجتمعًا مستقرًا بعدما كانت القبائل تعيش سنوات طويلة من النزاع والانقسام.

لقد أثبتت الهجرة أن بناء الأوطان لا يكون بالشعارات، وإنما بالإيمان والعمل وتحمل المسئولية. ولهذا بقيت الهجرة النبوية درسًا ممتدًا في كيفية تأسيس المجتمعات على الأخلاق والعدل والتعاون واحترام الإنسان، وهي المعاني التي جعلت من المدينة المنورة نموذجًا مختلفًا في تاريخ الأمم.