تحت لواء القرآن

في بلاغة الفواصل القرآنية (٥)

 د. محروس بُريّك
د. محروس بُريّك

بقلم: د. محروس بُريّك

في قوله تعالى في نهاية الحديث عن قصة فرعون مع موسى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) طه: 78، نلحظ أن فواصل الآيات التي تحكي قصة فرعون وموسى –عليه السلام- جاءت جميعها –فيما عدا هذه الآية- على هيئة المقطع المتوسط الطول المفتوح المنتهي بحركة طويلة، كما في المقاطع الآتية

اقرأ أيضا| في بلاغة الفواصل القرآنية 4
 

على سبيل المثال لا الحصر:(نِي، لِي، رَا، سَى، شَى، غَى) من كلمات الفواصل الآتية: (لساني، قولي، أهلي،كثيرا، بصيرا، موسى، يخشى، يطغى)، حتى إذا ما وصلنا إلى نهاية القصة عدل القرآن -في فاصلة الآية التي تحكي نهاية فرعون وجنوده بغرقهم في اليم- إلى هيئة المقطع المتوسط الطول المغلق (هُمْ) في قوله (غشيهم)، ولو كان مراد القرآن مجرد مراعاة اطراد الفواصل -وبخاصة في القصة الواحدة- لاستبدل بـ (غشيهم) (يغشى) أو ما إلى ذلك من مفردات، لتتوافق هذه الفاصلة مع بقية فواصل القصة إيقاعيًّا.

لكنه لمـَّا كان القرآن يؤثر المعنى على تناسب الإيقاع، عدل في الآية التي تجسد نهاية القصة إلى ذلك المقطع المغلق المنتهي بصامت (الميم الساكنة)، فيما يشبه إسدال الستار في نهاية المشهد الختامي لذلك الصراع الطويل بين الحق والباطل.

ولعل في انغلاق الشفتين عند النطق بالميم الساكنة من (غشيهُمْ) مناسبةً شكليةً مع هيئة انطباق جانبي البحر على فرعون وجنوده، وما ساد من سكون لفّ الكون في تلك اللحظة الفارقة بين الحق والباطل، ثم تعود الآية التالية إلى الإيقاع الأصلي لفواصل القصة: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)طه: 79، فيما يشبه التعليق الختامي للمُشاهِد لتلك الأحداث، وإنما آثر القرآن العودة بإيقاع هذه الفاصلة إلى الإيقاع الأول لارتباط مضمونها بمضمون قصة موسى وفرعون؛ إذ تقابل قول فرعون في سورة غافر: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)غافر: 29.

لقد انتهى بإغراق فرعون وجنوده فصلٌ من فصول الصراع بين الحق والباطل. وعاد إيقاع الفواصل مرة أخرى إلى هيئة المقطع المتوسط الطول المفتوح المنتهي بحركة طويلة، وهو الإيقاع الأصلي لفواصل هذه السورة، إذ تحكي الآيات فصلاً آخر من الصراع بين الحق والباطل، لكنه هذه المرة بين موسى والسامري، ولمّا كان موسى عليه السلام- طرفَ الحق في القصتين كلتيهما جاءت الفواصل في آيات القصتين على نمط واحد.

وفي قوله تعالى في ختام سورة المزمل: (وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المزمل:20، وردت فاصلة هذه الآية مقيدة غير موصولة بالألف بخلاف بقية الآيات السابقة؛ إذ جاءت على هيئة المقطع الطويل المغلق بصامت، بخلاف مقاطع فواصل الآيات السابقة جميعها -فيما عدا الآية الأولى التي تمثل تنبيها بالنداء: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) إذ وردت الآيات من (2-19) على هيئة المقطع المفتوح المتوسط الطول، في قوله على سبيل المثال: (قليلا، ترتيلا، ثقيلا، أليما، شيبا). 

والملاحظ أن السّورة مكِّيّة سوى الآية الأخيرة، ويرجحه إتيان الآية طويلة شغلت ثلث السورة بخلاف الآيات السابقة التي تتسم بالقصر، كما يزيد في ترجيح ذلك قولهم إن هذه الآية ناسخة لآيات قيام الليل في بداية السورة، لذا جاءت مخالفة إيقاعيا للآيات السابقة تأكيدا لكون هذا الحكم في قيام الليل هو الحكم الأخير الناسخ لما قبله، وإيحاءً بأن هذه الطائفة التي تقوم الليل مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال المفسرون، مآلها رحمة الله.