لا تبخل علينا الهجرة النبوية الشريفة كل عام بنورها المعرفي المتجدد وزادها الروحي المتفرد؛ ولا تزال تلهمنا أسس التضحية والفداء والعطاء؛ كما ترشدنا إلى ضرورة التخطيط السليم للمستقبل، والإعداد الجيد قبل كل خطوة مهمة يقوم بها الإنسان في حياته، خاصة إذا تعلق الأمر بفتح طاقات النور في قلوب تراكمت عليها الظلمات وتمكّن منها الرجيم بأحابيله ووساوسه وغلبها على ضياء الحق ووهج الصلاح؛ ولا يملّ الإنسان حين يقرأ في كتب السيرة النبوية من تأمل هذه الانبثاقات الروحية والأفكار الملهمة التي تضعنا على الطريق القويم في كل نازلة نتعرض لها، وما أكثر نوازلنا، وفي كل الأمور تكون الاستعانة بالله، سبحانه وتعالى، وحُسن التوكل عليه، مفتاح النجاة من كل خطر، مع الاستعداد الكامل والأخذ بالأسباب المؤهلة للنجاح في المهمة العظمى لتأسيس الدعوة إلى الله.
اقرأ أيضًا: أضحى العطاء والارتقاء
ترشدنا الهجرة النبوية إلى أهمية التوازن بين العمل الجاد وحُسن التوكل على الله، مع التضحية بالنفس وكل غال من أجل نجاح المهمة العليا لحماية الدعوة إلى الإصلاح والرشاد؛ وبهذه الروح السامية يتم بناء الأوطان وتأسيس القواعد الراسخة لبقائها في قوة وعافية محصنة من أعدائها. وإذا كانت الهجرة تحمل دروس الفداء والدهاء؛ فإنها تحمل أيضًا روح الولاء والوفاء للدين والوطن.
في عصرنا الحديث، الذي يقدّس التخطيط الإستراتيجي، تخبرنا الهجرة بأن التوكل على الله لا يعني "التواكل" أو إهمال الأسباب العلمية؛ ونحن الآن عند بناء شركاتنا، وإدارة أزماتنا الاقتصادية، وتنظيم مؤسساتنا التعليمية، نحتاج إلى هذه الروح الإدارية الصارمة التي تعتمد على الكفاءة والتخطيط الجيد والاستعداد الأمثل.
وتبقى وثيقة المدينة الدرة الحقيقية والدرس الأكبر لهذه الرحلة المباركة، وهي الخطوة الأولى في تاريخ البشرية لتأسيس المواطنة الحديثة؛ فحين وصل الركب النبوي الشريف إلى المدينة المنورة، لم يكن المجتمع متجانسًا؛ بل كان خليطًا من قبائل متنافرة متقاتلة: الأوس والخزرج، واليهود، والمهاجرين؛ وهنا تجلت عبقرية القيادة في صوغ وثيقة تُعد بحق أول دستور مدني يُرسخ مفهوم المواطنة وحرية الاعتقاد والعيش المشترك؛ وهو الدرس الذي تقدمه لنا الهجرة المباركة في قبول الآخر، والذي أصبح من واجب العقلاء الاستفادة منه عن طريق نبذ خطاب الكراهية، وتعميق لغة الحوار والتعايش السلمي، وبناء أوطان تتسع للجميع تحت مظلة الحقوق والواجبات المتبادلة، دون إقصاء أو تهميش.
وتتكامل هذه الصورة الوضاءة مع صورة أخرى لا تقل بهاء، وهي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهو الموقف الذي خلق تجانسًا مجتمعيًّا وتكاملًا اقتصاديًّا فريدًا يقضي على فروق الطبقات وأزمات البطالة عن طريق التكافل الاجتماعي.. وهي الدروس التي علينا انتهاجها في طريقنا نحو الارتقاء المجتمعي.
كانت المشاهد صادمة بائسة، تلاميذ يُلقون أقلامهم ويقذفون كتبهم ويدهسون أحرف النور بأقدامهم بابتهاج شديد وأفراح هستيرية، وكأنهم قد فازوا بانعتاق رقابهم من ربقة الأسْر التعليمي والفصول الدراسية والواجبات المدرسية؛ هذه الفرحة الطاغية بانتهاء العام الدراسي، وبهذه الصورة البائسة تدعو للقلق على فهم الدافع الحقيقي الذي نُرسل من أجله أبناءنا إلى المدارس؛ هل يتلقون العلم الحقيقي الذي يجعل منهم وقودًا نافعًا لحركة المجتمع؛ أم ليحصلوا على شهادة مختومة تعترف باجتيازهم لمرحلة دراسية، وإن لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، ولا تربية ولا تعليم.
منذ أيام شاهدت فيلم "برشامة"، وهو فيلم، وإن جاء في إطار كوميدي، لكنه يقص مشاهد حقيقية من رحم واقعنا التعليمي المؤلم، ومن يتابع ما يحدث أمام لجان الامتحان في عدد كبير من القرى يُدرك أن "الغش" أصبح حقًّا مكتسبًا "بالدراع" وبالإجبار دونما حياء أو خجل؛ وهي آفة مجتمعية أصبحت تقضّ مضاجعنا وتنغز غوافل ضمائرنا لعلنا ننتبه إلى خطورة الأسس التي يقوم عليها منهجنا التعليمي، وحتى لا تصبح "البرشامة" هي سيدة الموقف الدراسي، ولا عزاء للمتفوقين والمبدعين الذين يُحبطون من تفاوت درجاتهم مع أباطرة الغش الجماعي.
لا يُمكن أن نبحث عن مستقبل أفضل في الجمهورية الجديدة دون تغيير حقيقي وجذري في المنظومة التعليمية، ودون اهتمام وافٍ بتربية النشء على احترام القيم الثابتة للمنافسة الجادة دونما اهتبال جهود الآخرين أو الارتكان إلى وسائل الغش الحديثة؛ لأن الضمير اليقظ والرغبة الدافعة إلى التعليم والدراسة اقتناعًا به وسعيًا لنفع الأمة وخيرها هي الوسائل الحقيقية للمنافسة في عالم لا يعترف بغير المعرفة وسيلة للارتقاء ومزاحمة الكبار.
إذا كنا نربط في هذا المقال بين ذكرى الهجرة النبوية المشرفة وبين التعليم وهجرة الآفات المجتمعية؛ فإن علينا واجبًا كبيرًا للهجرة الدائمة إلى العلم والخير والحق والجمال؛ فالهجرة طاقة متجددة، تذكرنا دائمًا بأن التغيير يبدأ من الداخل، وأن الأوطان لا تُبنى بالأماني بل بالتخطيط، والتضامن، والعمل الدءوب، يجب أن تكون هذه الذكرى الشريفة قوة دافعة لبناء واقع أفضل ووطن مجيد، نصنع فيه هجرتنا الخاصة نحو المعرفة، والتقدم، والنهوض الإنساني.



