تتجلى فلسفة الأعياد في الإسلام أنها لا تقتصر على الاحتفالات واللهو المباح فقط؛ ولكنها تفتح للمسلم معارج الترقي إلى سماوات الإنسانية العليا وتدفعه إلى بذل المزيد من العطاء للمجتمع المحيط به، فيريق الدم الحلال بالتذكية تقربًا إلى الله، ويوسّع بها على نفسه وأهله وجيرانه وخلانه؛ ثم هو يكسو الفقير، ويحنو على اليتيم، ويُعين الأرملة، ويزور المريض، ويوزّع "عيديات" بأموال جديدة، فيُدخل السرور بذلك على المجتمع المُحيط به؛ ثم تتداخل دوائر الخير بين الأهل والجيران والأقارب، فإذا هي قد اتسعت لتشمل القرية كلها، وإذا المحبة بين الناس قد أطفأت نيران الشيطان وهزمت البغضاء؛ فإن المهمة الأولى للشيطان أن يُفرق بين المرء وزوجه، والصاحب وصاحبه، والجار وجاره؛ ولهذا فإنه يغتاظ من التلاحم الاجتماعي وغياب الفوارق بين أبناء المجتمع الواحد؛ وهو المشهد الذي نراه ظاهرًا يوم عرفة من كل عام، إذ تتنزل الرحمات على زوار بيت الله العتيق الذين أتوا إلى الرحاب الطاهرة شعثًا غُبرًا في هندام واحد، لا فرق بين غني وفقير، يرجون رحمة ربهم ويطلبون مرضاته.
اقرأ أيضا: الجمعيات الأهلية - قوة مصر بناسها
بهذه المعاني السامية يريد الإسلام أن يرتقي بأخلاق أتباعه ويحوطهم بمناعته الإيمانية من الارتكاس في مهاوي الدنيا وآفاتها؛ وبهذه الأخلاق نفسها يجب علينا أن نربي أبناءنا، وألا نتركهم فرائس سهلة لأبالسة الإنس والجن الذين يُزينون لهم المقامرة الإلكترونية التي أصبحت ظاهرة خطيرة، أو المقامرة على الحياة نفسها بسباقات الموتوسيكلات على الطرق السريعة والتي غزت القرى والنجوع وكأنها نوع من إثبات الشجاعة والذكورة المبكرة والتنافس المميت، أو بتعاطي الممنوعات، أو تناول الأكلات حتى التخمة، أو التباهي الفارغ بالملابس الباهظة؛ وكل هذا يأتي تحت بند الاحتفال بالعيد، وهي حجة فارغة من الخير ممتلئة بالشر والفساد، وهو ما نتعوّذ بالله أن يكون لأبنائنا نصيب منه.
يحمل التراث الوطني المصري كنزًا ثقافيًّا ومعرفيًّا عن رحلة الحج إلى الأراضي المقدسة خاصة، وعن عيد الأضحى وما يُضيفه من فيض وافر من الخير والعطاء عامة.. ولا تزال قرانا ونجوعنا تحتفظ بمظاهر هذه العادات التي تظهر على حيطان البيوت التي تأخذ زينتها من الألوان الزاهية وتشكيلات من رسومات الطائرة والباخرة والكعبة المشرفة، والعديد من الآيات القرآنية: {وأتموا الحج والعُمرة لله}، {الحج أشهر معلومات}، {وليطوَّفوا بالبيت العتيق}؛ بجوار باقي المأثورات: (حج مبرور وذنب مغفور)، وغيرها من المأثورات السمعية والأغاني الشعبية التي أصبحت علامة مضيئة في التراث الشعبي المصري؛ بل إن كثيرًا من هذه الأغاني قد انتقل إلى العديد من الدول العربية والإسلامية المجاورة.
وقد شاهدنا كيف أن أغنية: (رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة.. رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة) قد أصبحت الترند الأول على وسائل التواصل طوال الشهر الماضي، ومن عدة بلدان؛ وهو ما يؤكد كيف أن الثقافة المصرية قادرة على اختراق حواجز المكان والتأثير الإيجابي في العديد من الثقافات المجاورة؛ وبعد ذلك هناك الأكفّ المرسومة بدماء الأضاحي على جدران البيوت باعتبارها مانعة للحسد والشيطان ومعبّرة عن وجود الخير في هذا المنزل الذي قام بالتذكية عن أهله.. وبعض هذه العادات نرجو أن تختفي؛ لأنها لا تتفق مع قوانين البيئة، فالذبح خارج الأماكن المخصصة جريمة يُعاقب عليها القانون، إذ قد تكون الأضحية مريضة فتصيب من يأكلها، فنكون قد تسببنا بالضرر من حيث نريد المنفعة، كما أن الذبح في الشوارع يؤذي الجيران ويتسبب في العديد من الأمراض، وهو ما يرفضه الإسلام، وقد يُعكر صفاء أيام العيد.
ولا تزال الفيوضات التراثية تحتفظ بمكانها الأثير في الذاكرة التاريخية حتى يومنا هذا، رغم الاختلاف الكبير في رحلات السفر بين الأمس واليوم، وهي نفسها الاختلافات الظاهرة بين الجمل والطائرة، ولكن عبقرية الاندماج المصري قادرة على تطويع احتفالاتها الدينية بما يتوافق مع مكونات البيئة، ولا يُخالف الأسس القويمة للشريعة الإسلامية، وكذلك بما يحفظ الهوية الوطنية، فهنا سنجد أن الأضحية سيأكل منها المسلم وغير المسلم، تمامًا كما يحدث في موائد رمضان، وأن العيديات سيتم توزيعها على كل طفل في الشارع، غنيًّا أو فقيرًا، مسلمًا أو غير مسلم، وأن الابتسامات والضحكات سيتم تبادلها بين كل الناس دونما تمييز.. هذه هي مصر الأزهر التي تعيش في رحاب الله وفي كنف أوليائه، فلا تعرف غير الحب والسلام تعيش به وتوزّعه على الأمة العربية والإسلامية وعلى الناس أجمعين.
كل عام ومصرنا الغالية بالخير واليُمن والبركات.



