بقلم: أحمد خميس بصلة
هو أبو الأزهر عبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي، أحد كبار أئمة القراءات في القرن الثاني الهجري، ومن أعلام المدرسة المصرية في الإقراء. جمع بين ضبط الأداء ودقة الرواية، وكان موثوق النقل واسع العلم.
مولده
وُلد الإمام عبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي في مصر سنة 128هـ. وكان والده الإمام عبد الرحمن بن القاسم من كبار العلماء والقراء، فشبّ الغلام في ظلال المصحف، يسمع التلاوة كأنها نَفَس الحياة، ويرى في صفحات القرآن مرآة قلبه.
كانت نشأته بين العلماء والقراء نعمة ربانية هيأت له طريق العلم من أول خطوة، فصار امتدادًا مباركًا لبيتٍ علميٍّ عريق، صاغه القرآن كما تُصاغ النفوس التي خُلقت لخدمته.
حياته العلمية
تلقّى عن كبار أئمة عصره، فقرأ على الإمام ورش المصري وأخذ عنه القراءة عرضًا، ونهل من علم معلى بن دحية وداود بن أبي طيبة، حتى صار من أوثق من حملوا رواياتهم أداءً وضبطًا.
لم يكن يكتفي بالحفظ أو الرواية، بل كان يغوص في دقائق الأداء، يتحرى كل حرف ومخرج، فيعطيه حقه من التجويد والبيان، حتى شهد له العلماء بالإتقان والدقة.
ومع الأيام، ارتقى مجلسه في مصر حتى صار منارة يؤمها طلاب العلم من الأقطار، يستمعون إلى قراءته المهيبة، ويقتبسون من بيانه وسمته، حتى صار علمًا بين المقرئين، يذكره الناس بإجلال، وتروى عنه الروايات كأنها سلاسل من نور لا تنقطع.
شيوخه الأجلاء
تلقى عبد الصمد العلم على يد ثلة من كبار الشيوخ، منهم:
• عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان (ورش المقرئ)، الذي أخذ عنه القراءة عرضًا.
• معلى بن دحية بن قيس أبو دحية المصري، الذي أخذ عنه القراءة عرضًا أيضًا.
• داود بن أبي طيبة، الذي روى عنه حروف حمزة.
تلاميذه الذين حملوا راية العلم
• إسماعيل بن عبد الله بن عمرو بن سعيد، أبو الحسن المصري النحاس.
• محمد بن وضاح بن بزيع، أبو عبد الله الأندلسي القرطبي.
• إبراهيم بن محمد بن بازي، أبو إسحاق بن القزاز الأندلسي.
• محمد بن سعيد، أبو عبد الله المصري الأنماطي.
مؤلفاته
كتاب في قراءتي نافع وحمزة.
شهادات العلماء ومكانته
قال الأئمة في الثناء على عبد الصمد بن عبد الرحمن ما يبرز قدره ومكانته بين أهل القرآن؛ فقد وصفه الإمام ابن الجزري بقوله: «راوٍ مشهور بالقراءة، متصدر، ثقة، صاحب مالك بن أنس»، وهي كلمات تدل على رسوخ علمه واعتباره مرجعًا موثوقًا في نقل القرآن وأدائه.
كما قال الذهبي: «أحد الأئمة الأعلام كوالده»، وفي ذلك إشارة إلى أنه لم يكتفِ بشرف النسب العلمي، بل بلغ رتبة الأئمة الأعلام بجهده وإتقانه، فكان امتدادًا حيًّا لمسيرة والده العلمية، يجمع بين أصالة الموروث وقوة التحصيل.
غروب شمس العالم
حين بلغت شمس الإمام عبد الصمد بن عبد الرحمن العتقي مغربها، كانت مصر تودّع أحد أعظم أصواتها في الإقراء، وأحد أعمدة مدارسها القرآنية التي أنارت القلوب قبل العقول.
وفي شهر رجب سنة (231هـ)، أغمض هذا الإمام الجليل عينيه بعد عمرٍ مباركٍ قضاه بين المصاحف والطلاب، يعلّم كتاب الله كما تلقّاه عن شيوخه الأجلاء، حتى صار اسمه علمًا في دنيا القراءات.



