مدينة العجائب ـ لماذا نلوم المدافع عن نفسه؟

د. حماد واصل
د. حماد واصل

بقلم: د. حماد واصل

في بعض المواقف تجد نفسك أمام مشهد يصعب فهمه أو تبريره.

عندما يتعرض شخص للغيبة أو الاتهامات أو التشويه بالكلام الباطل، يلتزم الكثيرون الصمت، وكأن الأمر لا يعنيهم، فلا نسمع نصيحة للمخطئ، ولا اعتراضًا على الظلم، ولا دعوة إلى تحري الحقيقة، لكن المفارقة العجيبة تظهر عندما يقرر المظلوم أن يدافع عن نفسه أو يرد على ما وُجِّه إليه من اتهامات، فتتحول الأنظار فجأة إلى الرد وليس إلى أصل المشكلة، وتبدأ عبارات من نوع: «لا يصح التراشق»، و«يجب أن نحافظ على الاحترام».
اقرا ايضًا| عندما تسقط الشركات في البيروقراطية

وهنا يبرز سؤال منطقي: أين كانت هذه الدعوات عندما بدأت الإساءة؟ ولماذا لم يتحرك أحد لإيقاف الخطأ من بدايته؟ ولماذا يصبح الحديث عن الأخلاق والاحترام حاضرًا عند الرد، وغائبًا عند الاتهام والتجريح؟

العدالة الحقيقية لا تعني مطالبة الناس بالصمت أمام الظلم، بل تعني منع الظلم من الأساس. أما الكيل بمكيالين فهو ما يخلق الاحتقان، ويزيد الخلافات، ويشجع البعض على التمادي في الإساءة وهم يعلمون أن اللوم لن يقع عليهم.

إن الإنصاف يقتضي أن نقف موقفًا واحدًا من الجميع، وأن نرفض الغيبة والافتراء كما نرفض التجاوز في الرد، وأن نحاسب المخطئ مهما كان موقعه أو قربه منا. فالمبادئ لا تتغير بتغير الأشخاص، والحق لا يصبح باطلًا لأن صاحبه ضعيف، كما أن الباطل لا يصبح حقًا لأن قائله يملك صوتًا أعلى أو مؤيدين أكثر.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي بيئة أو مجتمع هو ازدواجية المعايير؛ لأن الناس قد تتحمل الخطأ، لكنها لا تتقبل الظلم، ولذلك يبقى السؤال قائمًا: لماذا نصمت عند بداية الخطأ، ثم نستيقظ فقط عندما يأتي الرد؟ إنها بالفعل مدينة العجائب، حيث يُدان المدافع عن نفسه أكثر مما يُدان من بدأ بالإساءة.