بقلم: أحمد فتح الله الشيخ
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات تحاصر الإنسان من كل جانب، وتتنافس فيه التطبيقات على خطف انتباهه كل ثانية، تراجعت مكانة القراءة الجادة في حياة كثير من الناس، حتى بات اقتناء الكتب عند البعض زينة ثقافية أكثر منه وسيلة للمعرفة والبناء.
وليس المقصود بالقراءة مجرد تصفح الأخبار السريعة أو متابعة المنشورات المتناثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما القراءة التي تصنع العقل، وتوسع المدارك، وتنقل الإنسان من ضيق التجربة الشخصية إلى سعة تجارب الأمم والشعوب عبر التاريخ.
اقرأ أيضل : متعة القراءة في كتاب سيبويه
لقد أدركت الحضارات المتقدمة قيمة الكتاب مبكرًا، فكان أساس نهضتها العلمية والفكرية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تكون أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم هي: «اقرأ»، في إشارة واضحة إلى أن بناء الإنسان يبدأ من المعرفة، وأن طريق الحضارة يمر عبر العلم والتعلم.
إن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص المعلومات، بل كثرتها مع ضعف القدرة على التمييز بينها. فالإنسان المعاصر يعيش وسط سيلٍ جارف من المحتوى، لكنه كثيرًا ما يفتقد المنهجية التي تمكنه من الفهم والتحليل والنقد. وهنا تظهر أهمية القراءة المنظمة التي تنمي التفكير العميق، وتُكسب صاحبها القدرة على الحكم الصحيح على الأحداث والأفكار.
ولا يقتصر أثر القراءة على الجانب المعرفي فحسب، بل يمتد إلى تهذيب الشخصية، وصقل اللغة، وتنمية مهارات التعبير والحوار. فالقارئ الجيد غالبًا ما يكون أكثر قدرة على التواصل، وأوسع أفقًا في تقبل الآراء المختلفة، وأقل عرضة للانسياق وراء الشائعات والدعايات المضللة.
ومن المؤسف أن بعض الشباب يقضي ساعات طويلة يوميًا أمام الشاشات دون أن يخصص دقائق معدودة لقراءة كتاب أو مقال نافع. ومع مرور الوقت تتراكم آثار هذا الإهمال، فيضعف المخزون الثقافي، وتتراجع القدرة على التركيز والتأمل.
إن إعادة الاعتبار للقراءة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية. فحين يرى الطفل الكتاب حاضرًا في بيئته، ويشاهد الكبار يقرؤون، تنشأ لديه علاقة طبيعية مع المعرفة منذ الصغر.
وفي الختام، تبقى القراءة استثمارًا طويل الأمد لا يخسر صاحبه أبدًا. فالمال قد يضيع، والمناصب قد تزول، أما المعرفة الحقيقية فتبقى رصيدًا دائمًا يرافق الإنسان طوال حياته، ويمنحه القدرة على فهم العالم والتعامل مع تحدياته بثقة ووعي.
ولهذا فإن تخصيص وقت يومي للقراءة ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية لا غنى عنها لكل من أراد أن يبني نفسه ويسهم في بناء مجتمعه.



