د. أسامة الأزهري
تعرّضنا في المقال السابق إلى بعض كلام سيد قطب، والذي يُرسّخ فيه لكُفرِ الجاهلية، ونرى هذا الفكر يتّضح جليًّا عند أبي الأعلى المودودي في كتابه «المصطلحات الأربعة في القرآن»، فيقول:
«وكذلك يصرّح بكل شدة أنه في حظيرة الله وكنفه، وإن قام أحدٌ يعزوه إلى دين آخر غير دين الإسلام هجم عليه وناصبه الحرب، لكنه يبقى مع ذلك متعلّقًا بأذيال أديان متعددة، ولا شك أنه لا يدعو أحدًا غير الله تعالى، ولا يسميه بالإله أو الرب بلسانه، لكن تكون له آلهة كثيرة وأرباب متعددة من حيث المعاني التي وُضعت لها هذه الكلمات، والمسكين لا يشعر أصلًا أنه قد أشرك بالله آلهةً وأربابًا أخرى، وإني قد نبهته بأنه عابد لغير الله ومقترف للشرك في الدين لانقضّ عليك يخمش وجهك، إلا أنه يكون عابدًا لغير الله حقًّا وداخلًا في غير دينه بدون ريب»،
ما يعني أن من تعلّق بدين التوحيد وشهادتها في نظره كافر.
وفي كتابه «موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه»، والذي من المفترض أن يقدّم رؤيةً تجديديةً وفهمًا عميقًا لكيفية تنزيل أحكام الشريعة على وقائع الناس، حتى يظل الدين مولّدًا لهديه ورحمانيته إلى يوم القيامة، إلا أن التجديد في هذا الكتاب تصوّرٌ بأن الناس غارقة في الكفر على المستوى العقائدي والتشريعي والروحاني، والرهبنة والتعبّد نتيجة الضلال في فهم كلمة الإله والرب والدين والعبادة، فالتجديد عنده هو إدخال الناس في الإسلام.
وانظر إلى كتابات أبي الأعلى المودودي في سنة 1941م، تجد أنها قد وُلدت في ظل تراجع مستوى حسن البنا أو بداية تكوين منهجه، ويُعدّ كتاب «المصطلحات الأربعة» من أشد صور العدوان في التكفير للأمة الإسلامية؛ حيث يتكلم فيه عن مفهوم الإله، ومفهوم الرب، ومفهوم الدين، ومفهوم العبادة، ويرمي الأمة الإسلامية بأنها قد انحرفت في فهم هذه المصطلحات الأربعة بعد جيل النبوة بفترة قصيرة.
وما ذكره سيد قطب ونصّ عليه يدل على عدم صحة القول بأن المودودي قد تأثّر بطبيعة بلاد الهند في وقته، وأنه قد نقل عنه مخطئًا؛ فهذا التنظير عارٍ عن الصحة، ويفتقر إلى السند، فهناك سمات كثيرة مشتركة بينهما، ونجد أن كتب أبي الأعلى المودودي التي أشرنا إليها في غاية الخطورة؛ إذ إن فهمه للدين تكفيري، بغضّ النظر عن أي سياق أو اعتبار لأي مكان، فكل خارجي أو تكفيري أو إخواني سيتكلم بالطريقة نفسها، ويفكر بالأسلوب نفسه، فمهما اختلفت الصياغة فالمحتوى واحد؛ لأنه القائل بأن الانحراف موجود في الأمة الإسلامية بعد الفترة النبوية، ولم تُستثنَ إلا مدة الثلاثين سنة، وهي مدة الخلافة الراشدة، وما جاء بعد ذلك على مدى (1300) عام منحرف — في نظره — عن منهاج النبوة.
ومن صريح كلام سيد قطب في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» العدوان الصارخ على سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي لم أحب أن أتوقف عنده، وهو ما زال في الطبعة المتداولة؛ لأن نفسه عنده أكبر من الصحابة، وقد منح نفسه الحق في إصدار الأحكام، ليس فقط على الناس بالكفر، بل على الشرع ليتأوله كما يراه هو.
وعلى الرغم من تعلّم أبي الأعلى المودودي العربية بعد الأربعين، وما ترتب عليه من قصور لغوي وبلاغي، فإنه قدّم فهمًا مغلوطًا للنص القرآني، ونازع به علماء الأمة، شأنه شأن حسن البنا وسيد قطب، الذين افتقروا إلى التكوين الشرعي الأصيل، فأساؤوا توظيف النصوص وذهبوا بها إلى مسالك التكفير، بخلاف علماء الأمة المعتبرين، كالشيخ عبد الله دراز، وعبد الحليم محمود، والشعراوي، ومن يُعتدّ به.
وقد جمع أبو الأعلى المودودي مضمون كتبه في كتاب سمّاه «الإسلام والجاهلية»، وهو إعادة بلورة لكل ما نثره في سائر كتاباته من رمي المسلمين بالشرك، وجاء بعده سيد قطب لينتقل معه هذا التفكير العدواني، مع كثرة لهجه لكلمة الجاهلية، ويبسط الكلام في تصوّره لعودة الجاهلية إلى الأرض وإحاطتها لكل الناس، وقد أحصيت في كتاب «في ظلال القرآن» ذكر كلمة «الجاهلية» عدد (1740) مرة، بينما يذكر كلمة «النور»، التي هي عنوان الشريعة، عدد (435) مرة، وهو ما يبيّن مدى ظلامية أفكار سيد قطب.
ثم جاء أخوه من بعده ليلملم «جاهلية القرن العشرين» لمحمد قطب، وهذا العنوان انتقل من كونه فكرة إلى كونه شعارًا يُقال على المنابر، ويخطب به خطيب الإخوان الأول الشيخ كشك، ليقول بأن جاهلية القرن العشرين أشد خطرًا من الجاهلية الأولى التي كانت قبل الإسلام، وهي عبادة الأوثان.
والغريب والعجيب أن ابن تيمية، الذي استعمل كلمة «الجاهلية» في بعض كتاباته، لم يستطع أن يقول هذا — وإن كان مقاربًا لهم في التفكير — فهو يقول: إنها بهذا المفهوم قد انقطعت بالبعثة المحمدية، لكن قد توجد بصورة جزئية في بعض الأماكن، وقد توجد في تصرّفات بعض الناس، لكن ليس بمفهوم عودة الناس إلى الشرك الذي كان قبل البعثة المحمدية، وانقطاع الدين عن الوجود. وشتّان بين مستوى ابن تيمية وهؤلاء التكفيريين؛ لأنه صاحب علم واسع وذكاء شديد، فقد عاش حياته للعلم، وتفرّغ له، ولم يتزوج.
لكن وجه الشبه والإشكال الأول بينه وبين هؤلاء أن غالب كتاباته كتبها في السجن، والسجن لا ينتج فقهًا؛ لأن المزاج النفسي يطبع على الفكر، شاء المرء أم أبى. والإشكال الثاني أنه نقل بعض مسائل الفروع إلى الأصول، فكفّر بها؛ فرحّل مثلًا مسألة «التوسّل» من دائرة الفقه إلى العقائد، فصارت نفس الخريطة الفكرية التي صنعها حسن البنا عندما رحّل قضية الحكم والسياسة من الفروع الفقهية إلى أصول الدين.
وإلى لقاءٍ قادمٍ بإذن الله.



