بقلم: أ.د. نظير محمد عياد مفتى الديار المصرية
رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم
لقد قرر علماء المقاصد أن من أعظم مقاصد الشريعة حفظ نظام الأمة ومنع أسباب الفتنة والاقتتال والاضطراب؛ لأن استقرار المجتمعات شرط سابق على تحقيق سائر المصالح الدينية والدنيوية، وقد أكد الإمام الشاطبي أن الشريعة جاءت لإقامة مصالح العباد فى معاشهم ومعادهم، ومن ثم فإن اختلال النظام العام يفضي إلى ضياع تلك المصالح وتعطيلها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية باعتبارها الأداة التي تُصان بها المصالح العامة وتُدرأ بها المفاسد الكبرى؛ فحيثما ضعفت الدولة تفككت الروابط الاجتماعية وانتشرت الفوضى وتراجعت القدرة على تحقيق العدالة والتنمية،
اقرأ أيضا| مفتي الجمهورية يشارك في قمة القيادات الدينية بماليزيا
أما حين تستعيد الدولة تماسكها وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية فإنها تهيئ البيئة اللازمة للأمن والعمران والتقدم، ولذلك فإن بناء الأوطان وحماية استقرارها ليس مجرد عمل سياسي، بل جزء من الواجب الشرعي والحضاري الذي يندرج تحت عمارة الأرض وتحقيق مصالح الخلق.
وفى ضوء هذا التأصيل، تُمثّل الثورات للشعوب محطات فارقة فى مسار تشكّل الدولة وإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع؛ فهي لحظات تتكثف فيها الإرادة الجمعية، وتتجلى خلالها قدرة المجتمعات على مراجعة مساراتها حين تستشعر تهديدًا يمس وجودها أو تماسكها الحضاري، ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ثورة الثلاثين من يونيو 2013 باعتبارها إحدى أهم اللحظات فى التاريخ المصري المعاصر؛ إذ مثلت استجابة وطنية واسعة لإعادة تصحيح مسار الدولة وحماية بنيتها المؤسسية فى ظل ظروف اتسمت بالسيولة السياسية وعدم اليقين.
وفى هذا الإطار يتضح أن هذه الثورة تعد تعبيرًا عن إرادة جماعية هدفت إلى صون الدولة المصرية من مخاطر الاستقطاب الأحادي، والحفاظ على وحدتها المؤسسية، ومنع انزلاقها إلى أنماط الصراع والفوضى التي شهدتها بعض البيئات الإقليمية، فالتحدي الأخطر الذي تواجهه الأمم لا يتمثل فى تعثر الحكومات أو إخفاق النخب السياسية فحسب، وإنما فى تعرض الدولة ذاتها للتآكل المؤسسي أو فقدان قدرتها على أداء وظائفها السيادية؛ فالحكومات كيانات مؤقتة، أما الدولة فهي البناء التاريخي والمؤسسي الذي يضمن استمرارية المجتمع ويحفظ تماسكه.
ومن ثم يمكن اعتبار أحد أبرز المخرجات الفكرية والسياسية لثورة الثلاثين من يونيو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة، باعتبارها الإطار الجامع للمواطنة، والضامن لاستمرار النظام العام، والحارس للمصالح المشتركة للمجتمع، وقد تجسد هذا الإدراك فى الوعي الجمعي المصري الذي نظر إلى الدولة المصرية باعتبارها نتاجًا لتراكم حضاري ممتد، وليس مجرد سلطة سياسية عابرة أو جهاز إداري قابل للاستبدال، ومن هذا المنظور، مثلت الثورة انتصارًا لفكرة الدولة وتجديدًا للعقد الوطني القائم على تقديم المصلحة العامة ووحدة المجال الوطني على الانتماءات الأيديولوجية الضيقة.
مرتكزات بناء الدولة الوطنية
فى مرحلة ما بعد الثورة:
1- الوعي الوطني وإشكالية بناء المناعة المجتمعية
لقد أسهمت الثورة فى إعادة طرح سؤال الهوية الوطنية ومفهوم الانتماء، وتعزيز الإدراك بأن حماية الدولة لا تتحقق فقط عبر الأدوات الأمنية، وإنما كذلك من خلال بناء مواطن يمتلك القدرة على التمييز النقدي فى مواجهة الخطابات التي تستهدف تفكيك المجتمع أو إضعاف مؤسساته، وقد انعكس ذلك فى تنامي أهمية المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية بوصفها أدوات مركزية فى تشكيل الوعي العام وترسيخ قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي.
2- التحول التنموي وإعادة تشكيل المجال العمراني
تتفق نظريات التنمية السياسية والاقتصادية على أن الاستقرار يمثل شرطًا بنيويًا لأي عملية تنموية مستدامة؛ وفى ضوء ذلك، اتجهت الدولة المصرية بعد الثورة إلى استعادة مستويات الاستقرار السياسي والأمني، باعتبارها المدخل الضروري لإطلاق مشروعات التنمية وإعادة بناء الثقة فى قدرة المؤسسات العامة على إدارة الشأن الوطني، وقد ارتبط ذلك بجهود مكثفة لمواجهة التنظيمات المتطرفة وتجفيف مصادر العنف السياسي، بما أتاح للدولة تهيئة المناخ الملائم للنشاط الاقتصادي والاستثماري.
ولا ينفصل هذا التصور عن الرؤية الإسلامية الحضارية التي جعلت الأمن من أعظم مقومات العمران الإنساني، وربطت بينه وبين التقدم الاقتصادي فى إطار يضمن استقرار المجتمع وازدهاره، ومن ثم شهدت السنوات اللاحقة للثورة إطلاق مشروعات قومية واسعة استهدفت إعادة بناء البنية التحتية وتطوير القدرات الاقتصادية، وتجاوزت بعدها الخدمي المباشر لتصبح جزءًا من رؤية استراتيجية لإعادة تشكيل المجال العمراني وتوسيع قاعدة التنمية المكانية، واستثمارًا طويل الأجل فى القدرات الهيكلية للدولة.
3- استعادة الدور الإقليمي فى ضوء استقرار الداخل
ترتبط مكانة الدول فى محيطها الإقليمي بمستوى تماسكها الداخلي وقدرتها على إدارة مواردها ومؤسساتها بكفاءة، ولذلك كان من الطبيعي أن ينعكس استقرار الدولة المصرية تدريجيًا على حضورها الإقليمي والدولي، فقد استعادت مصر دورها بوصفها فاعلًا رئيسًا فى محيطها الإقليمي والعالمي، وأسهمت فى ملفات مرتبطة بالأمن والاستقرار والتنمية، مستندة إلى ثقلها التاريخي وموقعها الجيوسياسي وقدراتها المؤسسية.
إن القراءة الفاحصة لثورة الثلاثين من يونيو تكشف أنها لم تكن مجرد حدث سياسي، بل لحظة إعادة تعريف لأولويات الدولة والمجتمع فى مرحلة اتسمت باضطراب عميق فى البيئة الإقليمية؛ فقوة الدول لا تُقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بصلابة مؤسساتها، وعمق وعي مواطنيها، وقدرتها على الحفاظ على تماسكها فى مواجهة التحديات الوجودية، ومن ثم يمكن اعتبار هذه الثورة محطة محورية فى مسار الدولة المصرية الحديثة؛ إذ عكست قدرة المجتمع المصري على استدعاء إرادته الجمعية دفاعًا عن الدولة الوطنية، وتجديدًا لحقها فى الاستمرار والبقاء والتطور.



