يقول منير أديب، الباحث في شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي: ثورة 30 يونيو نجحت في الحفاظ على الدولة حيث سعت تنظيمات العنف والتطرف والإخوان على وجه التحديد في اختطاف الثورة، فهم في حقيقة الأمر كانوا يمثلون خطراً على الأمن القومي المصري، بل العربي أيضا، وعلى هذا عندما قامت الثورة كانت للحفاظ على الأمن القومي المصري والعربي، وإذا قلنا إنها كانت للحفاظ على الأمن القومي الإنساني فلن نكون مبالغين، خاصة أن هذه التنظيمات كانت متعطشة للدماء وأرادت بعد السيطرة على الحكم مصر الانتقال لدول أخرى وتوسيع رقعة هيمنتها، وهنا تظهر أهمية هذه الثورة ليس فقط للمصريين وإنما لكل العرب بل وللعالم أجمع.
ويشير أديب إلى أن من أهمية الثورة أنها لم تواجه تنظيم الإخوان فقط، وإنما سعت إلى تفكيك الأفكار المؤسسة لهذا التنظيم المتطرف، وبما أن مصر كانت البلد التي شهدت تأسيس هذا التنظيم فإنها واجهته في القاهرة وأيضا فككت أفكاره المؤسسة وهذا ربما انعكس على وجوده في العديد من الدول العربية، مشددا على أن الإخوان لو استمروا في حكم مصر لانهارت كل المنطقة العربية وأصبحوا أكثر توحشا وتعطشا للدماء، وبالتالي سوف يكون لهم ضحايا كثيرة وسوف يؤثر ذلك ليس فقط في الأمن المصري وإنما في أمن المنطقة بأكملها, خاصة وأنهم غازلوا كل تنظيمات العنف والتطرف وأعطوهم مساحة كبيرة للعمل وللقتل وكانوا يسعون إلى هدم حدود الدول العربية وإقامة خلافة أعم وأشمل يكون التنظيم على رأسها، وتتولى التنظيمات الأخرى قيادة الدول التي سوف تقع تحت سلطة هذه الخلافة المزعومة.
وينبه أديب إلى أن هذا التنظيم لا يمارس العمل الدعوي فقط وإنما قرر مؤسسه أن يدخل معترك السياسة بعد المؤتمر الخامس العام 1938 منذ هذا التاريخ، وحتى هذه اللحظة والإخوان يمارسون السياسة ويمارسون العنف كونهم يطرحون رؤية لها علاقة بممارسة العمل الدعوي والابتعاد عن السياسة لمدة 10 سنوات أو أكثر، الآن أعلن تنظيم الإخوان اعتزال العمل السياسي و التركيز على العمل الدعوي هم يريدون من وراء هذه الدعوة العودة للمشهد السياسي والقفز على السلطة مرة أخرى ولم تستجب الدولة لهم؛ لأن هؤلاء ليسوا حزبا سياسياً وإنما تنظيماً متطرفاً، ولذلك التعليق ليس على سلوك التنظيم المتطرف وإنما أيضا على أفكاره المتطرفة، ولو خاصموا السياسة طيلة عمرهم هم أيضا تنظيم متطرف؛ لأنه يتبنى أفكار دينية متطرفة، فليست الفكرة في ممارسة السياسة وإنما في الأفكار التي يؤمن بها هؤلاء المتطرفون.
وتابع :"لا أحد يدعو إلى التصالح مع التنظيمات المتطرفة، وأي حديث عن مصالحة أو تصالح حديث يمثل خطرا على أمن مصر والإقليم والعالم ككل".
لا مستقبل للإخوان
ويؤكد أحمد بان، الكاتب والباحث المتخصص في حركات الإسلام السياسي، 12 سنة مرت منذ الخلاص من حكم الإخوان، وهم فريق أو فصيل كان لديهم أجندة تخريبية هدامة ولم يكن معنيا بتنمية حقيقية أو تطور ديمقراطي حقيقي، و30 يونيو هبة شعبية توحدت مع مؤسسات الدولة في مواجهة نظام الإخوان خوفا على هوية الدولة وتوجهاتها، والإخوان لم يعد لديهم مستقبل، وأصبحوا من الماضي، وكان لديهم فرصة أن يكونوا كيانا دعويا كبيرا معنيا بفكرة تمكين القيم والدعوة لها، دون النظر لمغانم سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، لكن هم منذ البداية عيونهم على الحكم؛ لذا لم ينجحوا في البقاء في الحكم وتجسيد قيم دعوية حقيقية.
مشيرا إلى أن تواجدهم أصبح باهتا في الخارج، فهم ورقة ضغط يستخدمها البعض، فالأفكار لا يمكن القضاء عليها لكن يمكن تقليص نفوذها خارجيا، لكن القضاء على الأفكار مسألة طويلة الأجل.
ويرى بان أن الإخوان تم تعريتهم بشكل كامل أمام الشعوب العربية والإسلامية، وحالة الانكشاف السياسي والأخلاقي للجماعة بدت واضحة للجميع. وعلينا أن نفكر في مستقبل خالٍ من الإخوان ونعيد النظر في واقعنا ونحاول اكتشاف الوسائل المناسبة للوصول والدخول إلى المستقبل، مشيرا إلى أن المواطن ينتظر المزيد على مستوى مكافحة الفساد والإصلاح الإداري والتنمية الشاملة في مجالات الصحة والتعليم أو غيرها من المجالات، خاصة أن 30 يونيو كانت مرحلة مطلوب فيها تجاوز حكم الإخوان وتثبيت مؤسسات الدولة ؛لإعادة هيبتها وكل هذا تم بحمد الله، والآن يجب التحدث عن الإنطلاق والأداء وتحرك دولاب الدولة، وهناك العديد من الأهداف التي نتطلع الى تحقيقها بمستويات أكبر، وعلى رأسها إصلاح النظام التعليمي والصحي بشكل كافِ بالقدر الذي ينسجم مع تطلعات الشعب.
فشلوا سياسياً
وفي معرض تعليقه على إعلان الإخوان الأخير باعتزال السياسة يقول بان:" عندما نتحدث عن الإخوان أي إخوان نقصد؟!.. الآن هذا التيار أو التنظيم لم يعد تنظيما واحدا له قيادة مركزية واحدة، بل هو عدد من المجموعات كل مجموعة تدعي أنها الأجدر بتمثيل الجماعة والامتداد التاريخي لوجودها، لدينا جبهة محمود حسين، جبهة صلاح عبد الحق، جبهة تيار محمد كمال أو المكتب العام ثم قيادات السجون،4مجموعات، فأي مجموعة هي التي تتحدث عن تنحية السياسة والابتعاد عنها لصالح الدعوة؟، حقيقة الأمر أن كل اتجاه من هؤلاء فشل في مضمار السياسة ولم ينجح في مضمار الدعوة، ويقول:"أنا أسميت الإخوان قديما أنهم أبطال الفرص الضائعة، هذا الحديث بالفصل بين الدعوي أو السياسي كان كلام قديم قيل في الاربعينيات والخمسينيات، ثم قيل في السبعينيات، ثم قيل في التسعينيات، ثم قيل بعد فشلهم الأخير، وهو شكل من أشكال التخبط الذي لا يعني سوى الارتباك وضعف المنطق والتقدير والتدبير".
ويشدد بان على أن المنطلق الذي يمكن من خلاله منع لجوء الشباب الى الأفكار الهدامة الشاذة والانجرار نحو الجماعات والتنظيمات المتطرفة، هو أن يرى أملا في المستقبل وفي دولهم وأن تفتح كل الأبواب للمشاركة وكل المسارات القانونية، سواء العمل السياسي أو الإصلاح المؤسسي أو غيرها من مسارات الإصلاح والتنمية، فإذا استشعر الشارع واستشعرت الشعوب والشباب بالتحديد صدقا حقيقيا وانجازا حقيقيا في هذه المسارات سينفض عن كل هذه الاتجاهات والأفكار.
ويوضح العقيد حاتم صابر خبير مكافحة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات، أن أهمية ثورة 30 يونيو ودورها في انقاذ الشعب والدولة مما كان يخطط له، فالشعب المصري في 30 يونيو 2013 رفض حكم جماعة الإخوان المسلمين لأن الجماعة بكل أدبياتها دائماً ما كانت تهدف إلى تحويل الدولة المصرية العريقة صاحبة التاريخ التليد إلى فئة تابعة لفكر مرشد جماعة الاخوان، والسياسية الأمنية الخاصة بجماعة الإخوان لتحقيق أهدافها، وما كان يرفضه الشعب المصري، والغباء السياسي للجماعة هو من فضح نواياهم تجاه الدولة المصرية في إدارتهم خلال ما تم من أحداث خلال العام 2012.
ويكشف صابر حقيقة ما كان يخفيه تنظيم الإخوان للدولة المصرية، ويقول: هناك عدد من قضايا الإخوان رفض النائب العام الكشف عن كواليسها أو التحقيقات فيها، لسبب واحد فقط، أنها لو كانت نشرت للرأي العام لتحولت مصر إلى ساحة من الحرب الأهلية؛ لأن ما كانت تخططه الجماعة للشعب المصري هو تخطيط شيطاني يدعو إلى إذلال هذا الشعب، ومن ضمن هذه الاطروحات هو فكرة الاستقواء بالحرس الثوري وفكرة المعتقلات المفتوحة وأخذ الناس بالظنون، كل هذه الأمور كان مخطط لها تخطيط متقن، وإذا رفض الشعب المصري الانصياع لهذه التعليمات والأوامر كانت ستتحول الى أداة قمعية مما كان سيؤدي في النهاية الى حرب أهلية تدمر الدولة المصرية مثلما كان مخطط من أجهزة المخابرات المضادة في استخدام الجماعة وجعلها على رأس السلطة في مصر حتى ينتهي الأمر الى انهيار الدولة المصرية.
ويؤكد صابر أن 30 يونيو هي ثورة شعب استجابت لها القوات المسلحة اعمالا لدولة القانون، وان الدولة المصرية دولة الشعب المصري وليست دولة جماعة او فئة معينة او جماعة مدفوعة من الخارج أو تنفذ أجندات أجنبية بغض النظر عما اذا كانت تعي تنفيذ هذه الأجندات وتشارك في تخطيطها او تم استغلال غبائهم في تنفيذ هذه المخططات.
من جانبه يقول طارق البشبيشي، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين، أن الجماعة فقدت تأثيرها داخل الشارع المصري منذ ثورة 30 يونيو، ولم تعد تمتلك القدرة على تحريك المواطنين أو التأثير في الرأي العام، والتحركات الحالية لهم ليست سوى محاولات يائسة لاختبار ردود الأفعال وتوزيع أدوار بين عناصرها، في إطار مخطط مدروس يخدم أجندات خارجية معادية لمصر، وللأسف هى ما زالت تمارس نهجها القائم على استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكدًا أن ما تطرحه من مبادرات أو دعوات للعودة إلى المشهد لا تعكس أي تغيير حقيقي في الفكر أو الأهداف، بل تمثل "دعوات بالوكالة" هدفها الرئيسي هو جسّ نبض الشارع، وقياس مدى قابلية المجتمع لتقبل وجودهم مجددًا.
ويضيف البشبيشي إن الدولة المصرية لم تعد تعير الإخوان اهتمامًا، بعدما تجاوزت المرحلة التي كان للجماعة فيها تأثير يُذكر، ومنذ ثورة 30 يونيو، أصبح المواطن المصري أكثر وعيًا وإدراكًا لطبيعة هذه الجماعة وأهدافها الحقيقية، ولم يعد ينخدع بشعاراتها أو أساليبها، فهم "كيان ضعيف" يعتمد على الدعم الخارجي، وتُستخدم كأداة في يد أجهزة استخبارات غربية تسعى لزعزعة استقرار الدولة المصرية، في ما يشبه "حربًا بالوكالة" ضد مصر، مشيرا إلى أن الجماعة تعتمد بشكل كبير على ما يعرف بـ"الذباب الإلكتروني" لنشر الشائعات وبث الأكاذيب عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة يائسة لتشويه صورة الدولة ومؤسساتها، وهذه المحاولات لم تعد تجد صدى لدى المصريين، الذين أصبحوا أكثر وعيًا ومناعة تجاه هذه الأساليب.
ويؤكد البشبيشي أن الجماعة تعاني حاليًا من التشتت والتشرذم، ولم تعد تملك سوى أدوات التحريض الإعلامي، بعد فشلها الكامل في استعادة أي موطئ قدم في المشهد السياسي المصري، فبعد 12 عامًا من المحاولات الفاشلة، لم تعد لدى الجماعة إلا حالة من الجنون السياسي نتيجة إدراكهم أن الدولة المصرية صامدة، وأن كل رهاناتهم باءت بالفشل، فالشعب المصري أصبح محصنًا ضد الفوضى، ويدرك تمامًا خطورة الإخوان وأجندتهم، وأي محاولة لزعزعة الاستقرار ستُقابل بالرفض الشعبي والحسم المؤسسي.
ويقول عمرو فاروق الباحث المتخصص في شئون الجماعات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة أن الاخوان منذ رحيلها عن السلطة في ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وهي تعيش في خلافات وانقسامات كبيرة، وأن هذا الصراع بين جبهات الإخوان ليس فكريا بقدر ما هو صراع على السلطة داخل التنظيم، فهو اختلاف الأساليب فقط، بينما تظل الغاية واحدة وهي العودة إلى المشهد السياسي والدعوي بأي ثمن، فلابد من إعلان الجماعة نبذ العنف بشكل نهائي، والاعتراف الكامل بمسئوليتها عن سفك الدماء منذ 2013، والتخلي عن مشروع "دولة الخلافة" والانصهار في الدولة الوطنية المدنية، وحل التنظيم الدولي وتجميد النشاط الدعوي والسياسي، وعمل مراجعة فكرية شاملة واحترام دستور الدولة وقوانينها والاعتراف بالمواطنة كمبدأ أساسي في مصر، حتى نقبل بهم مرة أخرى .







