لا يمثل المسجد الأقصى المبارك مجرد مسجد تاريخي فى قلب مدينة القدس، بل يُعد أحد أعظم المقدسات الإسلامية وأكثرها ارتباطًا بعقيدة المسلمين ووجدانهم. فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، والمكان الذي أُسري بالنبي محمد ﷺ إليه ليلة الإسراء قبل عروجه إلى السماوات العلا، وعلى مدار أكثر من أربعة آلاف عام، شهد الأقصى تعاقب الأنبياء والملوك والخلفاء والحضارات، وتعرض لعمليات بناء وإعمار وهدم وترميم، حتى أصبح مجمعًا معماريًا إسلاميًا فريدًا يضم أكثر من 200 معلم أثري داخل أسواره، ورغم ما تعرض له من احتلالات واعتداءات، ظل المسجد الأقصى رمزًا للصمود الديني والحضاري، ومحل اهتمام المسلمين فى مختلف أنحاء العالم.
يختلف المؤرخون فى تحديد أول من بنى المسجد الأقصى المبارك، إلا أن الروايات الإسلامية الموثقة تجمع على أن نشأته تعود إلى فجر التاريخ الإنساني، وأنه من أقدم دور العبادة التي عُرفت على وجه الأرض. ويستند العلماء فى ذلك إلى ما رواه الإمامان البخاري ومسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وُضع فى الأرض أولًا؟ قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة»، ويعد هذا الحديث أصلًا تاريخيًا فى بيان قِدم المسجد الأقصى، وأنه أُسس بعد المسجد الحرام بأربعين عامًا، وهو ما أكسبه مكانة فريدة فى العقيدة الإسلامية، إلى جانب كونه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
ويرى جمهور علماء المسلمين أن أول من وضع أساس المسجد الأقصى هو أبو البشر آدم عليه السلام، بأمر من الله تعالى، وأن ما جاء بعد ذلك لم يكن إنشاءً جديدًا، وإنما تجديدًا وإعمارًا للبناء الأول، كما حدث مع الكعبة المشرفة. وقد أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني فى كتابه «فتح الباري» إلى ما يؤيد هذا الرأي، ناقلًا عن ابن هشام فى كتاب «التيجان» أن آدم عليه السلام، بعدما فرغ من بناء الكعبة، أمره الله بالسير إلى بيت المقدس وبناء المسجد الأقصى، فقام ببنائه وأقام فيه العبادة، ويؤكد العلماء أن هذا يفسر العلاقة الوثيقة بين المسجدين، وأنهما ارتبطا منذ بداية الخليقة برسالة التوحيد وعبادة الله عز وجل.
اقرأ أيضًا: حكماء المسلمين: الإسلام وكافة الشرائع السماوية ترفض جميع أشكال الكراهية
ومع تعاقب الأزمان، تتابعت عمليات إعمار المسجد الأقصى على أيدي الأنبياء، فجدده خليل الله إبراهيم عليه السلام، ثم واصل ابناه إسحاق ويعقوب عليهما السلام الاهتمام به، حتى جاء عهد النبي داود عليه السلام الذي تشير روايات إلى أنه بدأ مشروع إعادة بنائه، قبل أن يستكمله ابنه سليمان عليه السلام بصورة أكثر إحكامًا واتساعًا، بعد تشييد بيت المقدس، ودعا الله تعالى أن يجعل الصلاة فيه مضاعفة الأجر، وأن يخرج من ذنوبه من قصده مخلصًا كما ولدته أمه، ومنذ ذلك الحين أصبح المسجد الأقصى مركزًا لعبادة الله، وموطنًا لرسالات عدد كبير من الأنبياء الذين عاشوا فى أرض فلسطين أو مروا بها، ليظل عبر آلاف السنين رمزًا خالدًا للتوحيد، وشاهدًا على ارتباط الرسالات السماوية بأرض القدس المباركة، وهو ما أكسبه مكانة دينية وتاريخية استثنائية لدى المسلمين عبر العصور.

الفتح الإسلامي
دخل المسلمون مدينة القدس سنة 15 هـ، الموافق 636م، بقيادة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي تسلم مفاتيح المدينة بنفسه فى مشهد تاريخي أصبح رمزًا للتسامح الإسلامي، وعندما وصل إلى موقع المسجد وجده مهملًا، فأمر بتنظيفه بنفسه، ثم أقام مسجدًا بسيطًا من الخشب يتسع لآلاف المصلين، وبعد نحو نصف قرن بدأ العصر الأموي، حيث أمر الخليفة عبد الملك بن مروان سنة 691م ببناء قبة الصخرة المشرفة، التي تعد واحدة من أروع التحف المعمارية الإسلامية، ثم استكمل ابنه الخليفة الوليد بن عبد الملك بناء المسجد القبلي بين عامي 705 و715م، ليأخذ المسجد الأقصى صورته العمرانية الكبرى التي لا تزال معالمها قائمة حتى اليوم.
زلازل وترميمات
تعرض المسجد الأقصى عبر تاريخه لعدد من الزلازل القوية، أبرزها زلزال عام 746م، ثم زلزال عام 1033م الذي ألحق أضرارًا كبيرة بالمسجد القبلي، وسارع الخلفاء إلى إعادة إعمار المسجد، حيث أمر الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله بإعادة بنائه عام 1035م، وخلال العصرين الأيوبي والمملوكي شهد المسجد أوسع عمليات التطوير، فأضيفت المدارس والأروقة والقباب والسبل والمكتبات، كما جدد السلاطين العثمانيون أجزاء واسعة منه، وأجرى السلطان سليمان القانوني ترميمات مهمة لأسوار القدس ومرافق المسجد، وهو ما ساعد فى الحفاظ على هويته الإسلامية حتى العصر الحديث.
مدينة إسلامية
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن المسجد الأقصى هو المسجد القبلي فقط، بينما الحقيقة أن المسجد الأقصى هو كامل المنطقة المسورة التي تبلغ مساحتها نحو 144 ألف متر مربع، ويضم المسجد القبلي ذا القبة الرصاصية، وقبة الصخرة ذات القبة الذهبية، والمصلى المرواني، ومصلى باب الرحمة، وجامع النساء، إضافة إلى أربع مآذن تاريخية، وأكثر من خمس عشرة قبة، وعشرات الأسبلة والآبار والأروقة، وما يزيد على عشرة أبواب، أشهرها باب الأسباط وباب السلسلة وباب حطة وباب المغاربة، ويبلغ عدد المعالم الأثرية داخل المسجد أكثر من مائتي معلم، ما يجعله من أكبر المجمعات الإسلامية التاريخية فى العالم.
مدارس ومبانٍ
أحاط الحكام المسلمون المسجد الأقصى بمنظومة معمارية متكاملة لخدمة العلم والعبادة، ففى العصر المملوكي شُيدت المدرسة التنكزية عام 1329م على يد الأمير تنكز الناصري، ثم المدرسة الأشرفية التي بناها السلطان الأشرف قايتباي عام 1482م، والتي وصفها المؤرخون بأنها «جوهرة العمارة المملوكية». كما أُنشئت المدرسة الغادرية والمدرسة المنجكية والرباط المنصوري، إلى جانب أسبلة المياه الشهيرة مثل سبيل قايتباي وسبيل قاسم باشا، وأسهم العثمانيون لاحقًا فى صيانة هذه المنشآت، لتتحول المنطقة المحيطة بالأقصى إلى مركز علمي وفقهي استقطب العلماء وطلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
حريق الأقصى
تعرض المسجد الأقصى فى 21 أغسطس 1969 لواحد من أخطر الاعتداءات فى تاريخه، عندما أشعل المتطرف الأسترالي دينيس مايكل روهان النار فى المسجد القبلي، ما أدى إلى تدمير منبر نور الدين التاريخي، واحتراق أجزاء كبيرة من السقف والزخارف الخشبية، وأثار الحريق غضبًا واسعًا فى العالم الإسلامي، وكان سببًا مباشرًا فى إنشاء منظمة التعاون الإسلامي، ومنذ احتلال القدس الشرقية عام 1967 يتعرض المسجد لاقتحامات متكررة، وحفريات وإجراءات تثير قلق المسلمين، بينما تؤكد دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية تمسكها بالحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم للمسجد.
مكانة الأقصى
يحظى المسجد الأقصى بمكانة رفيعة فى العقيدة الإسلامية، فهو أولى القبلتين، وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، والمكان الذي صلى فيه النبي محمد ﷺ إمامًا بالأنبياء ليلة الإسراء والمعراج، كما ورد ذكره صراحة فى القرآن الكريم فى سورة الإسراء.
اقرأ أيضًا: الهند تعلن مشروعات جديدة لدعم الصحة والتعليم في فلسطين
وفى المقابل، ينظر اليهود إلى المنطقة نفسها باعتبارها موقع «جبل الهيكل»، ويعتقد كثير منهم أنها شهدت قيام الهيكلين الأول والثاني المذكورين فى التراث اليهودي، وهي قضية لا يوجد بشأن موقعها الأثري المحدد إجماع علمي، ومن هنا تكتسب المنطقة أهمية دينية لدى الطرفين، فى ظل تأكيد المسلمين أن المسجد الأقصى بكامل مساحته وقف إسلامي خالص، مع الدعوات الدولية للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فى القدس.
رمز خالد
سيظل المسجد الأقصى المبارك شاهدًا على تعاقب الحضارات والرسالات السماوية، ورمزًا للهوية الإسلامية والعربية لمدينة القدس، فعلى الرغم من الزلازل والحرائق والاحتلالات التي مر بها عبر القرون، بقي محتفظًا بمكانته الدينية والتاريخية، وأصبح أحد أهم المعالم الإسلامية فى العالم.
واليوم، لا يمثل الأقصى مجرد مسجد للصلاة، بل يُعد قضية عقيدة وتراث وهوية، ورمزًا لوحدة المسلمين، وواحدًا من أبرز الشواهد الحية على عظمة الحضارة الإسلامية وثراء تاريخ مدينة القدس.



