ماذا لو عاد معتذرًا؟

 وفاء وديع
وفاء وديع

بقلم: وفاء وديع
تخيّلي أن يقرر الشخص الذي استنزف روحك لسنوات أن يعود فجأة، حاملًا باقة من الأعذار الزائفة، ليطرق بابك من جديد. هذا المشهد الدرامي ليس مجرد موقف عابر، بل هو اختبار قاسٍ لقوة المرأة وقدرتها على حماية نفسها من دائرة الإيذاء المستمرة.

اقرأ أيضا| التعفّن الرقمي

لكي نفهم هذا الموقف بعمق، يجب أن ندرك أن الشخصيات المؤذية تتعدد وتتنوع في أساليبها، وتؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية. فهناك المتلاعب العاطفي الذي يعتمد على قلب الحقائق والتشكيك الدائم في ذاكرة المرأة وإدراكها للأمور، مما يجعلها تفقد ثقتها بنفسها. وإلى جانبه تبرز الشخصية النرجسية التي تستنزف الطاقة بالبحث المستمر عن الإعجاب والسيطرة، وتفتقر تمامًا إلى القدرة على التعاطف. كما يظهر الرجل الاعتمادي الذي يستغل مشاعر الذنب والضعف المفتعل ليجعل المرأة تشعر بالمسؤولية الكاملة عن حياته، والرجل البخيل الذي يمتد شحه ليشمل المشاعر والدعم المادي للتحكم. وأخيرًا، يظهر الرجل السيكوباتي الذي يتسم بالقسوة واستخدام الإيذاء لتحقيق غاياته دون أي شعور بالذنب. وفي هذا السياق، يلخص الكاتب جبران خليل جبران هذا الموقف بقوله: "أن تبتعد عن علاقة تؤذيك، ليس ضعفًا، بل هو قمة القوة".
وبناءً على هذه المعطيات، يتبادر إلى الذهن سؤال مفصلي حول ما إذا كانت المرأة تقبل حقًا بالعودة إلى هذه العلاقة. في كثير من الأحيان، تقع المرأة في فخ الأمل الكاذب في التغيير، مدفوعةً بالذكريات الجميلة التي تحتفظ بها، أو الخوف من مواجهة المجتمع بمفردها. ومع ذلك، فإن العودة إلى علاقة سامة غالبًا ما تؤدي إلى تكرار دورة الإيذاء النفسي بصورة أكثر قسوة. علاوة على ذلك، تجد الكثير من النساء أنفسهن مجبرات على التفكير في العودة بسبب الضغوط المادية وعدم الاستقلال المالي الذي يجعلهن يشعرن بالعجز التام، بالإضافة إلى ضغط الأهل والمجتمع الذي يلوم المرأة على الانفصال ويدفعها للتحمل من أجل المظاهر العامة. وكما يقول العالم ألبرت أينشتاين: "لا يمكن حل مشكلة بنفس العقلية التي أنشأتها".
وما يزيد من تعقيد هذا المشهد هو استخدام الأطفال كوسيلة للضغط العاطفي من قبل الشريك السابق، حيث يلوّح بحرمان الأم منهم أو التأثير على استقرارهم النفسي لإجبارها على التراجع عن قرار الانفصال. وهنا، يؤكد رأي علم النفس أن استخدام الأطفال كورقة ضغط هو علامة حمراء واضحة على استمرار الأذى، وأن الحفاظ على بيئة هادئة ومستقرة نفسيًا للأطفال أهم بكثير من البقاء في بيئة غير صحية.
وللوقوف على حقيقة هذه القرارات، نجد أن رأي علم النفس يرى أن الاعتذار وحده لا يكفي إذا لم يرافقه تغيير جذري ومستدام في السلوك، فالعلاقات السامة تستنزف الطاقة، والعودة دون حدود واضحة تعني العودة إلى الدائرة ذاتها من الألم. وعلى الجانب الآخر، فإن رأي الدين يدعو إلى المودة والرحمة، ولكنه في حال وجود ضرر نفسي أو جسدي مستمر، يبيح الشريعة الانفصال لرفع الحرج، مؤكدًا على كرامة الإنسان وحمايته من الأذى والظلم.
ولكن، كيف يمكن للمرأة أن تتخذ موقفًا حاسمًا وتضع حدودًا صارمة تحمي بها نفسها وأبناءها؟ تتطلب هذه الخطوة وضوحًا تامًا، حيث يجب البدء بقطع التواصل غير الضروري مع الشريك السابق، أو حصر التواصل في الأمور المتعلقة بالأطفال فقط، دون الخوض في أي تفاصيل عاطفية، مع الرفض القاطع لكل محاولات التلاعب والابتزاز.
أما فيما يخص عملية التعافي النفسي والشفاء التام من آثار هذه العلاقة، فهي تبدأ أولًا بالقبول العاطفي لحجم الأذى الذي تعرضت له، مرورًا بطلب الدعم النفسي المتخصص لإعادة بناء الثقة بالذات، وصولًا إلى تحقيق الاستقلال المادي الذي يمنحها حرية القرار والاعتماد على ذاتها في بناء مستقبل مشرق ومستقر.
وفي النهاية، تبقى هذه القضية محط تأملات المفكرين الذين أضاءوا بكلماتهم طريق التحرر العاطفي. وكما يقول الكاتب العالمي أوسكار وايلد: "بعض الناس كالأحجار، إما أن تحملها لتبني بها صرحًا، أو تلقيها في الماء لتحدث تموجات وتنسحب".