التعفّن الرقمي

 وفاء وديع
وفاء وديع

بقلم- وفاء وديع


لم يعد الإنترنت ذلك الفضاء الواسع الذي دخلناه أول مرة بدافع الفضول والمتعة والتعلّم، بل أصبح عند كثيرين مساحة مزدحمة بالإعلانات، والخوارزميات المزعجة، والمحتوى المتكرّر الذي يلاحقنا أينما ذهبنا. هذه الظاهرة وصفها الكاتب والناشط التقني كوري دكترو بمصطلح لافت هو "التعفّن الرقمي"، وهو مصطلح يشرح كيف تتحول المنصات الإلكترونية تدريجيًا من أدوات مفيدة إلى بيئات طاردة للمستخدمين.


يرى دكترو أن أغلب المنصات تمر بثلاث مراحل واضحة. في المرحلة الأولى، تركز المنصة على المستخدمين، فتقدّم لهم خدمات مريحة ومحتوى جيدًا وتجربة سهلة، بهدف جذب أكبر عدد ممكن من الناس. في هذه المرحلة يشعر المستخدم أنه محور الاهتمام، وأن المنصة تعمل من أجله.


لكن بعد أن تكبر قاعدة المستخدمين وتصبح المنصة جزءًا من حياتهم اليومية، تبدأ المرحلة الثانية، حيث يتحول الاهتمام من المستخدم إلى المعلنين والشركاء التجاريين. تظهر الإعلانات بكثافة، وتبدأ الخوارزميات في توجيه المحتوى بما يخدم الربح لا الجودة، فيجد المستخدم نفسه أمام محتوى لا يشبهه، لكنه يخدم مصالح الشركات.
أما المرحلة الثالثة، فهي الأخطر، حيث تتحول المنصة إلى أداة لاستنزاف الجميع: المستخدمين والمعلنين معًا. تقل جودة الخدمة، وتزداد الرسوم والقيود، وتصبح تجربة الاستخدام مرهقة ومملة. في هذه المرحلة، لا يعود أحد يشعر بالرضا، لكن المنصة تستمر في استغلال موقعها الاحتكاري.


هذا "التعفّن" لا يحدث فجأة، بل يتسلل تدريجيًا، حتى يجد المستخدم نفسه عالقًا في منصات لم تعد تمنحه القيمة التي اعتاد عليها. والسبب في ذلك أن كثيرًا من هذه المنصات لا تقوم على خدمة الإنسان بقدر ما تقوم على تعظيم الأرباح بأي وسيلة.


من منظور أخلاقي وإنساني، يطرح هذا الواقع سؤالًا مهمًا: هل التكنولوجيا خُلقت لخدمة الإنسان، أم لتحويله إلى سلعة؟ إذا تحولت المنصات إلى أدوات لخداع المستخدم أو استنزاف وقته وماله دون منفعة حقيقية، فإنها تفقد بعدها الإنساني والأخلاقي.


الحل لا يكمن فقط في لوم الشركات، بل أيضًا في وعي المستخدم. فكل ضغطة إعجاب، وكل ساعة يقضيها أمام محتوى بلا قيمة، هي رسالة للمنصات بما نريده فعلًا. حين يختار الناس المنصات التي تحترم عقولهم وأوقاتهم، ويهجرون المنصات المزعجة، ستضطر الشركات إلى التغيير.
الإنترنت في أصله كان مساحة للمعرفة والتواصل والإبداع، لكن الحفاظ على هذا الجوهر يحتاج إلى وعي أخلاقي من الشركات والمستخدمين معًا، حتى لا يتحول العالم الرقمي إلى مساحة متعفّنة لا تخدم إلا الأرباح على حساب الإنسان.