بقلم: أحمد خميس بصلة
هو أبو سليمان داود بن أبي طيبة هارون بن يزيد المصري النحوي، أحد كبار أئمة الإقراء والنحو في القرن الثاني الهجري، جمع بين دقة العربية وصفاء الأداء القرآني، فكان من المحققين الماهرين الذين رفعوا لواء العلم في مصر.
مولده
وُلد الإمام داود بن أبي طيبة هارون بن يزيد، أبو سليمان المصري، في أرض تُعانق أذان الفجر بأصوات التلاوة، وتتنفس من صدور القرّاء عبق القرآن. كانت مصر في منتصف القرن الثاني الهجري تغتسل بنور العلم، وتضجّ مساجدها بحلقات الإقراء والحديث في الفسطاط وسائر ربوعها.
وفي تلك الأجواء المفعمة بالخشوع، وُلد داود، كأنما قُدّر له أن يسمع في مهده صوت الحروف ومخارجها، وأن ينشأ بين المحاريث التي لا تعرف الصمت. كان مولده في زمن يموج بحياة العلم، فامتلأت روحه منذ فجرها الأول بمحبة القرآن، وسرى فيه صوته كنسيم يهبّ من مصحف مفتوح على الدنيا.
حياته العلمية
نشأ الإمام داود بن أبي طيبة في مصر بين منائر العلم وأصوات القرّاء التي تملأ المساجد بالقرآن، فبدأ طريقه بحفظ كتاب الله، يردده آناء الليل وأطراف النهار حتى استقر في صدره نورًا وهداية. ثم جلس إلى أئمة الإقراء، فأخذ عن ورش إمام الديار المصرية، وعن علي بن يزيد بن كيسة الكوفي، فشرب من علمهما حتى رسخ قدمه في فن الأداء.
ومع مرور السنين اشتد عوده العلمي، فجمع بين دقة النحو وإتقان القراءة، وصار علمه قبلة للطلاب يقصدونه ليضبطوا على يديه الحروف ويقتبسوا من لسانه فصاحة القرآن.
وهكذا ارتقى داود من تلميذ ينهل من حلقات الشيوخ إلى إمام يُورِّث العلم ويُحيي الأداء، فكان من المحققين الماهرين الذين خلّدوا المدرسة المصرية في القراءات، وبقي اسمه شاهدًا على صدق إخلاصه ونور علمه.
شيوخه الأجلاء
نهل داود بن أبي طيبة من معين العلم على يد عدد من كبار الشيوخ الذين شكّلوا شخصيته العلمية وأرسوا قواعد إتقانه، منهم ورش (عثمان بن سعيد القبطي المصري)، وعلي بن يزيد بن كيسة أبو الحسن الكوفي، صاحب سليم، الذي عرض عليه القرآن الكريم.
تلاميذه الذين حملوا المشعل
تخرّج على يدي داود بن أبي طيبة كوكبة من العلماء الذين واصلوا نشر علمه وفضله، منهم: أحمد بن أبي حماد أبو بكر الشطوي، وأبو الأشعث الجيزي، وعبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة، ومواس بن سهل أبو القاسم المعافري المصري، وغيرهم كثير.
شهادات العلماء ومكانته
حاز الإمام داود بن أبي طيبة منزلة رفيعة في عيون العلماء والمقرئين، فقد شهد له أهل العلم بالإتقان والرسوخ في فنون القرآن واللغة، حتى صار اسمه علمًا على المهارة والدقة في الأداء.
قال ابن الجزري خاتمة المحققين: "ماهر محقق"، وهو وصف لا يُمنح إلا لمن جمع بين عمق الفهم ودقة الأداء، وتمكّن من أصول الإقراء حتى صار مرجعًا للمقرئين.
غروب شمس العالم
أدركت الإمام داود بن أبي طيبة سكينة الختام بعد رحلة طويلة من العطاء في خدمة كتاب الله، فكانت وفاته في شوال سنة 223هـ بمصر، حيث وُلد وعاش وعلّم وترك أثره الباقي.



