قلق أصحاب المعاشات

نيفين ياقوت
نيفين ياقوت

بقلم: نيفين ياقوت
في كل يوم تتعالى أصوات أصحاب المعاشات في مصر، لا طلبًا للترف، ولا سعيًا وراء رفاهية، بل بحثًا عن حياة كريمة تحفظ لهم ما تبقى من أعمارهم. يصرخون من وطأة الغلاء، ومن قيمة معاشٍ لم تعد تكفي لسد أبسط الاحتياجات، بينما الزيادة السنوية لا تواكب هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار.
المؤلم في الأمر ليس فقط ضيق الحال، بل شعور كثيرٍ منهم بأنهم تُركوا وحدهم، لا يملكون إلا الشكوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن صوتهم لا يُسمع إلا في حدود الشاشات. أليس هؤلاء هم من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن؟
يقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.

اقرأ أيضاً| أويس وأمه

فكيف يكون جزاء سنوات العطاء ضيقًا في المعيشة وقلقًا دائمًا على الغد؟
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن أصحاب المعاشات ليسوا عبئًا على المجتمع، بل طاقة وخبرة يمكن الاستفادة منها. فكم من متقاعد يمتلك من العلم والتجربة ما يؤهله للاستمرار في العطاء، إذا أُتيحت له الفرصة مقابل مادي عادل. إن إقصاء هذه الفئة خسارة مزدوجة: لهم وللمجتمع معًا.
ومن أبرز مظاهر الخلل التي تستدعي التوقف مسألة التوزيع غير العادل للمعاشات. فهناك فجوة واضحة بين المتقاعدين من المؤسسات الخدمية ونظرائهم في المؤسسات الإنتاجية، رغم أن الجميع خدموا الوطن، كلٌّ في موقعه. والعدل هنا ليس ترفًا، بل ضرورة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
إن تحقيق قدر من المساواة في قيمة المعاشات، أو على الأقل تقليل الفوارق الكبيرة بينها، هو خطوة أساسية نحو إنصاف هذه الفئة، وأيضًا عدالة التوزيع.
ثم إن إهمال أصحاب المعاشات لا يقف أثره عندهم فقط، بل يمتد إلى المجتمع كله. فمعظمهم يتحمل مسؤولية أسر، ويساهم في تربية الأبناء والأحفاد. فإذا ضاق حالهم، انعكس ذلك مباشرة على الأجيال الجديدة. وهنا يظهر التناقض: كيف نحرص على رعاية الشباب، ونحن نهمل من يقومون على تربيتهم؟
ومن هذا المنطلق، يصبح رفع قيمة المعاشات ضرورة لا تحتمل التأجيل، وليس مجرد مطلب قابل للنقاش. فزيادة لا تقل عن 30% قد تكون بداية حقيقية لالتقاط الأنفاس، وتخفيف حدة المعاناة.
إن واقع الكثير من أصحاب المعاشات اليوم مؤلم؛ يعيشون أيامًا قليلة من الراحة في بداية كل شهر، ثم يدخلون في دائرة من القلق والحرمان حتى موعد الصرف التالي. حياة بهذا الشكل لا تليق بمن أفنوا أعمارهم في خدمة مجتمعهم.
وفي النهاية، يبقى النداء واضحًا:
الرحمة قبل الأرقام، والعدل قبل الحسابات.
إن أصحاب المعاشات لا يحتاجون إلى تعاطف مؤقت، بل إلى قرارات منصفة تعيد لهم كرامتهم، وتمنحهم حياة تليق بما قدموه.