من أجلِّ نعم الله أن الدنيا فانية

د. حمدي إبراهيم عامر
د. حمدي إبراهيم عامر

بقلم: د. حمدي إبراهيم عامر

من الحقائق التي يغفل عنها كثير من الناس: أن أعظم النعم ليست دائمًا تلك التي يفرح بها الإنسان عند وقوعها، بل قد تكون بعض النعم مستترة خلف أمور يظنها الناس مصائب أو يهابونها بطبيعتهم البشرية.

ومن أجلِّ هذه النعم أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا فانية غير باقية، وجعل الإنسان فيها عابر سبيل لا مقيمًا خالدًا. فمع أن النفوس تتعلق بالبقاء، وتخشى النهاية، إلا أن التأمل العميق في سنن الله وحكمته يكشف أن فناء الدنيا ليس نقصًا في نظام الوجود، بل هو من أعظم مظاهر الرحمة والعدل والحكمة الإلهية.

اقرأ أيضا : كيف تعرف الرجل الحقيقي؟

إن الدنيا بطبيعتها دار تغير وتقلب، لا يثبت فيها حال، ولا يدوم فيها نعيم، ولا يستقر فيها حزن، ولو كانت هذه الحياة أبدية لتعذر على الإنسان أن يتحمل ما فيها من آلام ومشقات. فكم من مريض أثقله المرض، وكم من فقير أرهقته الحاجة، وكم من مظلوم نام على جراحه منتظرًا الإنصاف.

إن ما يعين الإنسان على احتمال البلاء هو يقينه بأن لكل محنة نهاية، ولكل ليل فجرًا، ولكل تعب راحة. ولذلك كان فناء الدنيا في حقيقته بابًا من أبواب الرحمة الإلهية، لأن الله لم يخلق الإنسان ليبقى أسير آلامه إلى الأبد، بل جعل له انتقالًا من دار الامتحان إلى دار الجزاء.

ومن ناحية أخرى، فإن محدودية العمر هي التي تمنح الحياة قيمتها الحقيقية. فالإنسان يشعر بأهمية وقته؛ لأنه يعلم أنه محدود، ويحرص على استثمار أيامه لأنه يدرك أنها معدودة.

ولو كان العمر بلا نهاية لفقدت الأعمال قيمتها، ولما استعجل أحد توبة أو إصلاحًا أو إنجازًا، ولأصبح التأجيل هو القاعدة الدائمة. إن قيمة الزمن تنبع من كونه لا يعود، وقيمة الحياة تنبع من أنها فرصة مؤقتة. ولهذا فإن فناء الدنيا ليس سلبًا لقيمة الحياة، بل هو الذي يمنحها معناها ويجعل لكل لحظة فيها وزنًا وأثرًا.

ومن الحكم العظيمة لفناء الدنيا أنه يربي الإنسان على التواضع ويكسر أوهام القوة والخلود. فالإنسان إذا شعر بالاستغناء المطلق قد يطغى ويتجبر، أما حين يتذكر أنه راحل لا محالة، وأن كل ما بين يديه سيتركه يومًا ما، فإنه يعود إلى حجمه الحقيقي.

إن الموت أعظم موعظة صامتة عرفتها البشرية، لأنه يساوي بين الناس جميعًا مهما اختلفت منازلهم ومكاناتهم. فالأغنياء والفقراء والعلماء والعامة يقفون أمام هذه الحقيقة على قدم المساواة، فيدرك الإنسان أن العظمة الحقيقية ليست فيما يملكه، بل فيما يقدمه من عمل صالح يبقى أثره بعد رحيله.

وعندما ينظر العقل المجرد إلى فكرة الخلود الدنيوي يدرك أنها ليست نعمة كما قد يتصور البعض. فلو بقي البشر جميعًا أحياء عبر القرون الطويلة لتراكمت الأجيال بلا نهاية، ولتحولت الحياة إلى عبء ثقيل، ولأصبحت الشيخوخة الممتدة عذابًا لا ينتهي.

ويبقى أعظم ما في الأمر أن فناء الدنيا ليس نهاية مطلقة، بل بداية لحياة أخرى أكمل وأبقى. فالمؤمن لا ينظر إلى الموت بوصفه فناءً للوجود، وإنما انتقالًا من مرحلة إلى مرحلة، ومن دار مؤقتة إلى دار القرار. وهنا تتجلى الحكمة الكاملة؛ فالدنيا ليست موطن الإنسان النهائي، وإنما جسر يعبر عليه نحو الحياة الحقيقية التي لا يشوبها نقص ولا يعتريها زوال.