بقلم: د. أحمد الطباخ
جاءت الشريعة بمقاصد على رأسها حفظ المال، الذي لا تستقيم الحياة إلا به، فمهما قيل في ذمه فالمقصود بالذم ما جُمِع من حرام، فالله طيب لا يقبل إلا الطيب من المال، وقد شرف الله المال وعظَّم قدره وأمر بحفظه، إذ جعله قِوامًا للآدمي، وما جُعل قِوامًا للآدمي الشريف فهو شريف. فقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، ونهى الله عز وجل أن يُسلَّم المال إلى غير رشيد، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
اقرا أيضا : صِنفٌ لا يُنكَح من النساء
لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، فقال صلى الله عليه وسلم لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ولا يخفى علينا أن مال السيدة خديجة رضي الله عنها قد نفع الدعوة، وهي التي كانت غنية تمتلك الأموال الطائلة، حيث كانت تتاجر في مالها فربح وزاد، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تمتلك الأموال. وكذلك اتخذ أبا بكر رضي الله عنه صديقًا له وهو من أثرياء وأغنياء مكة، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مالٌ كمال أبي بكر». وقال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: «نعم المال الصالح للرجل الصالح».
ولو كان المال غير مطلوب ولا مرغوب فيه، ما دعا صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه، وكان في آخر دعائه: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه». وقد بيَّن الله في سورة الكهف أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، كما يأخذ المؤمن زينته عند كل مسجد، فكذلك المال من الأمور الضرورية التي لا غنى عنها. وقد قال كعب رضي الله عنه: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك».
وكسبه من الحلال واجب، وإنفاقه في الحلال له أجر عظيم عند الله، والتصدق به وإخراج الزكاة عنه إن بلغ النصاب فيه الخير الكثير للأمة. ولا ينبغي أن تكون الغاية من كسبه المفاخرة والمباهاة، فبئس المقصود إن قُصد. وإن قُصد إعفاف نفسه وعائلته، وادَّخر لحوادث زمانه وزمانهم، وقصد التوسعة على الإخوة وإغناء الفقراء وفعل المصالح، أُثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات.
وقد كانت نيات كثير من الصحابة في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم بجمعه، فحرصوا عليه وسألوا زيادته. ولما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير خيل فرسه، أجرى الفرس حتى قام، ثم رمى سوطه، فقال صلى الله عليه وسلم: «أعطوه حيث بلغ سوطه».
وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه: اللهم وسع علي. وقال إخوة يوسف: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾. وقال شعيب لموسى: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾. وإن أيوب لما عوفي نُثر عليه جراد من ذهب، فأخذ يحثي ثوبه ويستكثر منه، فقيل له: أما شبعت؟! فقال: يا رب فقير يشبع من فضلك!



