زمن الأقنعة.. بريق الصورة أم عمق السيرة!

د. مكرم النبراوي
د. مكرم النبراوي

بقلم: د. مكرم النبراوي

في عصرٍ تتسابق فيه الأخبار قبل التحقق منها، وتُصنع فيه الانطباعات في ثوانٍ معدودة، أصبحت السمعة الإنسانية واحدة من أكثر الأصول قيمةً وخطورةً في الوقت نفسه، فبينما كان الإنسان قديمًا يُعرف عبر سنوات طويلة من المعاملة المباشرة، أصبح اليوم يُحكم عليه أحيانًا بمنشور عابر، أو مقطع قصير، أو رواية ناقصة لا يعرف أحد مدى صدقها.. إننا نعيش في عصر "محاكم التفتيش الرقمية"، حيث تُنصب المشانق الأخلاقية الافتراضية بناءً على بضع كلمات، وتتحول الشاشات إلى منصات لإطلاق أحكام إعدام معنوية لا ترحم.

لكن المفارقة المؤلمة أن اختلال بعض الموازين الأخلاقية في عصرنا لم يقتصر على سرعة الأحكام، بل امتد إلى معايير التعامل ذاتها، فأصبح البعض يقيّم الناس بحجم "متابعيهم" وبقدر ما يملكون، لا بقدر ما يحملون من قيم، ويمنح ثقته لمن يملك نفوذًا أو شهرةً أكثر ممن يملك صدقًا وأمانة. وهنا تبرز "ثقافة الإلغاء" (Cancel Culture) في أبشع صورها؛ حيث يمكن لغلطة واحدة، أو سوء فهم مجتزأ، أن يمحو تاريخ إنسان كامل في فضاء الإنترنت. وهنا تبدأ أزمة حقيقية لا تهدد الأفراد فقط، بل تهدد السلم الاجتماعي بأكمله.

إن بناء السمعة ليس عملية تجميل للصورة الخارجية أو تحسينٍ للملف الشخصي (Profile)، بل هو انعكاس طبيعي لما يستقر في الداخل، وكما قال الفيلسوف سقراط قديمًا: "الطريقة الأفضل لبناء سمعة طيبة هي أن تسعى لتكون الشخص الذي تريد أن تبدو عليه"، فالسمعة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تُصنع بالحيل الإعلامية، ولا تُبنى عبر حملات العلاقات العامة وحدها؛ إنها حصيلة مئات المواقف الصغيرة التي يراك الناس فيها صادقًا عندما يكون الكذب أسهل، وأمينًا عندما تكون الخيانة أكثر ربحًا، ومنصفًا عندما يكون الظلم أقرب إلى المصلحة.

ومن الخطأ أن يظن الإنسان أن السمعة الجيدة تُبنى بالكلمات فقط، فالناس قد تنسى ما قيل، لكنها نادرًا ما تنسى كيف عاملتها. لذلك كانت الأخلاق العملية هي اللغة الأكثر تأثيرًا والأبقى أثرًا، فالاحترام، والوفاء بالوعد، وحفظ الحقوق، والاعتراف بالخطأ، والعدل في الحكم على الآخرين، كلها لبنات أساسية في بناء سمعة لا تهزها الشائعات ولا تسقطها العواصف.

وفي المقابل، فإن التعامل مع البشر في هذا العصر الرقمي المتسارع يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والاتزان؛ فلا إفراط في الثقة العمياء، ولا إفراط في الشك المرضي، فليس كل من ابتسم لك في فضاء افتراضي صديقًا، وليس كل من خالفك الرأي عدوًا. إن الإنصاف يقتضي ألا نختزل تاريخ البشر في خطأ عابر، وألا نسمح للشائعات أن تقوم مقام الحقائق، وتفسر لنا سيكولوجية الجماهير أن الإشاعة سريعة دائمًا؛ لأنها تبيع "الإثارة والتشويق"، بينما الحقيقة بطيئة وثقيلة؛ لأنها تتطلب وعيًا، وجهدًا، وضميرًا للتحقق منها.

ومن أهم معايير التعامل الراقي أن نفصل بين الأشخاص وأخطائهم، وأن نمنح الآخرين فرصة للتوضيح قبل الإدانة، وأن نزن الأمور بميزان العدل لا بميزان الهوى أو المصلحة، فالمجتمعات التي تنتشر فيها الأحكام المتسرعة تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج الثقة، وحين تضيع الثقة تضيع معها كثير من معاني الاستقرار والتعاون.

لقد علّمتنا التجارب أن السمعة الطيبة قد تحتاج سنوات طويلة لتُبنى، لكنها قد تتعرض للخدش في لحظة واحدة، ولذلك فإن المحافظة عليها تتطلب يقظة دائمة بين ما نقول وما نفعل، وبين ما نعلنه في العلن وما نمارسه فعليًا في الخفاء.

والرسالة الأهم هنا أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون مشهورًا بقدر حاجته إلى أن يكون محترمًا؛ فالشهرة قد يصنعها ظرف مؤقت أو خوارزمية عابرة، أما الاحترام فيصنعه خُلُق ثابت، وبين عالمٍ تتغير فيه المعايير كل يوم، تبقى القيم الحقيقية هي البوصلة الوحيدة القادرة على حماية السمعة وصناعة العلاقات الإنسانية السليمة، فمن أراد اسمًا يبقى بعده، فليبنِ أخلاقه قبل أن يبني صورته؛ لأن الصورة قد تخدع وعي الناس مؤقتًا، أما الأخلاق فتكشف الحقيقة دائمًا.