أزمة الإنسان قبل أزمة التعليم

د. مكرم النبراوي
د. مكرم النبراوي

بقلم:د. مكرم النبراوي
استشاري التربية والصحة النفسية، مدير عام الخطة والمنهج للتعليم بقطاع المعاهد الأزهرية
في صباح يوم امتحان، يجلس طالب في المرحلة الثانوية، يحدّق في ورقة الأسئلة. ليست الأسئلة مستحيلة، وقد مرّ على معظمها من قبل، لكن شيئًا ما داخله مرتبك. لا يتعلق الأمر بالخوف من الرسوب بقدر ما هو خوف من الخيبة… خيبة أسرة ترى فيه مشروع تفوق، ومجتمع لا يعترف إلا بالأرقام، ونظام لا يلتفت إلا للنتيجة.

في تلك اللحظة، نحن لا نواجه مشكلة تعليم، بل نواجه إنسانًا مثقلًا من الداخل، يحاول أن ينجو أكثر مما يحاول أن يفهم.
اعتدنا أن نُفسّر أزماتنا التربوية بلغة فنية: مناهج تحتاج تطويرًا، نظم تقييم تحتاج إصلاحًا، كثافات طلابية، أو نقص في الإمكانات.
وكلها قضايا حقيقية بلا شك، لكنها تظل – في جوهرها – معالجة للأعراض لا للأصل.
الأصل أعمق بكثير: نحن أمام أزمة في تصور الإنسان الذي نريد أن نبنيه، قبل أن نكون أمام أزمة في أدوات تعليمه.
لقد تحوّل التعليم، في كثير من السياقات العربية، من مشروع لبناء الإنسان إلى آلية لإدارة المسار الاجتماعي.
لم يعد السؤال: ماذا سيتعلم الطالب؟ بل: إلى أي كلية سيصل؟ ولا: كيف يفكر؟ بل: كم حصل؟
وهنا يبدأ الانحراف الهادئ.
حين تتحول المعرفة إلى وسيلة عبور، لا وسيلة وعي، يفقد التعلم روحه، ويتحول إلى جهد ميكانيكي.
يذاكر الطالب ليُنجز، لا ليَفهم.
يحفظ ليُجيب، لا ليُدرك.
وقد ينجح… لكنه يخرج هشًّا من الداخل، فاقدًا للمعنى الذي يربط ما يتعلمه بحياته.
هذه الحالة ليست منفصلة عن السياق الثقافي الأوسع.
نحن نعيش في مجتمعات تعاني ازدواجية عميقة: نرفع شعارات القيم، لكننا نكافئ عكسها في الممارسة.
نُعلّم الصدق، لكننا نتسامح مع التحايل إن حقق مصلحة.
نُشيد بالاجتهاد، لكننا نربط التقدير بالنتيجة لا بالجهد.
نُطالب الأبناء بالاستقامة، بينما يشاهدون نماذج ناجحة لا تحترم ما نلقّنهم إياه.
في هذا المناخ، ينشأ الطالب وهو يتعلم درسًا خفيًا أخطر من أي منهج:
أن ما يُقال شيء… وما يُفعل شيء آخر.
ومع تكرار هذا التناقض، لا يفقد فقط ثقته في المنظومة، بل يفقد ثقته في المعايير نفسها.
تصبح القيم نسبية، والسلوك مرهونًا بالظروف، ويبدأ الضمير في التكيّف بدل أن يقود.
ومن زاوية نفسية، تتفاقم الأزمة بشكل أكثر عمقًا.
فالطالب لا يعيش فقط ضغط التحصيل، بل يعيش صراعًا داخليًا بين ما يُتوقع منه وما يشعر به.
لا يُسمح له كثيرًا بالتعبير عن قلقه، لأن القلق يُفسَّر ضعفًا.
ولا يُشجَّع على الفشل كجزء من التعلم، لأن الفشل يُوصم نهاية.
فيتعلم مبكرًا أن يخفي مشاعره، وأن يُجيد التظاهر بالتماسك.
ومع الوقت، لا تختفي هذه المشاعر… بل تتراكم في صورة قلق مزمن، أو فقدان دافعية، أو اغتراب عن الذات.
أما المعلم، الذي يُفترض أن يكون حجر الزاوية في أي إصلاح تربوي، فهو الآخر يعيش داخل دائرة ضغط لا تقل قسوة.
مطلوب منه أن يؤدي دورًا تربويًا وإنسانيًا عميقًا، في ظل بيئة قد لا تمنحه التقدير الكافي، ولا التدريب المستمر، ولا الدعم النفسي.
ومع تراكم الأعباء، يتحول الأداء من رسالة إلى وظيفة، ومن تفاعل إنساني إلى تنفيذ واجب.
ليس لأن المعلم فقد إيمانه، بل لأن الواقع يستهلك طاقته قبل أن يمنحه فرصة التأثير.
وفي قلب هذه الصورة، تقف المدرسة – التي كان يفترض أن تكون بيئة للنمو – وقد تحولت في نظر كثير من الطلاب إلى مصدر ضغط.
مكان تُقاس فيه القيمة بالدرجات، ويُختزل فيه التميز في ترتيب، وتغيب فيه أحيانًا المساحة الآمنة للتجربة والخطأ.
وهنا نفقد أحد أهم أدوار التربية: أن تكون مساحة لاكتشاف الذات، لا مجرد ساحة للمنافسة.
إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها صامتة.
لا تُعلن نفسها في شكل انهيار واضح، بل تظهر في صور متفرقة:
طالب متفوق بلا شغف،
وآخر متوسط بلا ثقة،
وثالث ينسحب نفسيًا دون ضجيج.
كلهم نتاج منظومة نجحت في نقل المعرفة بدرجات متفاوتة، لكنها تعثرت في بناء الإنسان.
لذلك، فإن أي محاولة جادة لإصلاح التعليم يجب أن تبدأ من سؤال مختلف:
ليس كيف نُحسّن المناهج فقط،
بل كيف نُعيد للإنسان مكانته داخل العملية التربوية.
كيف نصنع بيئة يشعر فيها الطالب بالأمان الكافي ليخطئ ويتعلم،
وبالقيمة التي لا تختزل في رقم،
وبالمعنى الذي يربط ما يتعلمه بحياته وهويته؟
كيف نُمكّن المعلم لا بوصفه ناقلًا للمحتوى، بل صانعًا للوعي؟
وكيف نُعيد بناء الثقة داخل المنظومة، بحيث تتسق القيم المعلنة مع الممارسات الفعلية؟
ربما لا توجد إجابات سهلة، لكن المؤكد أن تجاهل السؤال لم يعد ممكنًا.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من مناهج،
بل بما تُخرجه من إنسان قادر على الفهم، والاختيار، والتوازن.
إننا لا نحتاج فقط إلى تعليم أفضل،
بل إلى إنسان أكثر وعيًا بذاته، وأكثر اتصالًا بمعنى ما يفعل.
ومن هنا، قد تكون الخطوة الأولى في أي إصلاح حقيقي ليست تغيير كتاب…
بل إعادة النظر في الصورة التي نحملها عن الإنسان الذي نريد أن نصنعه.
لأن أزمة التعليم، في جوهرها،
ليست إلا انعكاسًا… لأزمة أعمق في فهم الإنسان نفسه.