قبل أن تصل القضية إلى أروقة المحاكم، وقبل أن تتحول الخصومة إلى عداوة تورثها الأجيال، يجلس رجال بسطاء تحت شجرة وارفة أو في مضيفة عتيقة، يحملون في صدورهم خبرات السنين، وفي كلماتهم حكمة الآباء والأجداد، هناك لا تُسمع طرقات مطارق القضاة، بل تُرفع رايات التسامح، وتُمد جسور الود بين القلوب المتخاصمة.
تظل المصالحات العرفية تمثل صمام أمان اجتماعيًّا يحفظ تماسك المجتمع ويمنع نزاعات كثيرة من التفاقم. فهي ليست مجرد جلسات لحل الخصومات، بل منظومة مجتمعية متكاملة تقوم على قيم العفو والتسامح وإعلاء المصلحة العامة، مستندة إلى تعاليم الدين الإسلامي والعادات الأصيلة التي توارثها المصريون عبر عقود طويلة.
فمنذ أيام نجحت جهود المجتمع المدني في إنهاء خصومة بين طرفين مسيحيين من شركاء الوطن، في منشأة رضوان التابعة لبرقاش بالجيزة، دبت الخلافات بين عائلتي مليكة وجرجس، «جرجس ومينا عزيز نسيم، وروماني نسيم جرجس»، حتى بلغت ذروتها، وقد نشبت بسبب سوء استخدام الوسائل التقنية الحديثة، واستغلالها في التشهير وتبادل الشتائم، لكن الجانب المضيء واللافت للنظر هو اللجوء إلى الحاج «البرقي»، فلم ينظر له طرفا النزاع على أنه يخالفهم العقيدة، وإنما باعتباره أبا للجميع مسلمين ومسيحيين، ولم يخيب ظنهم ورجاءهم، فكان بيته سكنا وملاذا لإنهاء الخلافات وعودة العلاقات الإنسانية والاجتماعية قبل الحقوق القضائية، ليخرج الجميع متعانقي القلوب قبل تشابك الأيدي وتلاحم الأجساد.
اقرأ أيضا: طلعت عبد القوي: المجتمع المدني المصري هرم تنموي يغطي 30% من الخدمات الصحية
وكذا من اللفتات الجميلة أن من قرأ محضر الصلح «المحامي فرج البرقي» ذكر التاريخين الهجري انتسابا لسيدنا المصطفى، والميلادي انتسابا لسيدنا المسيح عيسى، عليهما السلام.
ولم يقتصر مجلس الصلح على هذه الحالة فقط، بل إن ذات الاطمئنان النفسي والرضا الاجتماعي ساد بين م. أيمن و«خصمه» رجب، في نزاع وقع بينهما على قطعة أرض، وبعد أن لجأ إلى «برقي الخير» ورفاقه، انتهى الشقاق بالتراضي لحكم اللجنة بعد تدخل حكماء الطرفين، وعلى رأسهم الحاج مرزوق محارب الذي ظل لآخر الجلسة لإنهاء النزاع.
الحاج رشدي البرقي: المصالحات تتم بدعم قيادات المحافظة
يصور الحاج رشدي عبدالستار البرقي هذه الصورة، فيؤكد أن كل القضايا والخلافات التي تقع بين الناس ويتم فيها اللجوء إلى مجلسنا، نبحثها من خلال اللجان التي تضم كبارات رجال القرية والمدينة، بإشراف رجال الأمن والأجهزة التنفيذية برعاية اللواء محمد مجدي أبوشميلة مدير أمن الجيزة، واللواء عبدالرحمن سكر نائب مدير الأمن، واللواء علاء فتحي مدير المباحث، والعميد محمد مختار مأمور مركز منشية القناطر، والرائد مجدي البكري نائب المأمور، حتى نصل إلى الحل الذي يرضي جميع الأطراف دون ظلم أو إكراه، فنحرص على أن يكون الرضا والود والتسامح والسلام قائما فيما بين الجميع، خاصة أن الحياة لا بد أن تستمر بينهم لأنهم شركاء وجيران، بل أحيانا يكونون من عائلة، بل أسرة واحدة.
جولات مكوكية
يلتقط خيط الحديث زكريا عبدالستار البرقي، موضحا: بعض هذه المشكلات تظل عالقة في مداولات وجولات مكوكية من أعضاء لجنة الصلح المتطوعين حسبة لله، لا يبتغون إلا وجهه سبحانه وتعالى، ثم الإصلاح بين الناس، حتى يعيشوا في أمن وسلام، وهذا ينعكس على المجتمع كله بالاستقرار، ويساعد الدولة في تحقيق أهدافها التنموية والخدمية، بما يسهم في تحقيق الحياة الكريمة التي ننشدها جميعا ويدعو إليها الرئيس عبدالفتاح السيسي دائما.
أجيال وراء أجيال
يتدخل فرج يونس عبدالله البرقي، قائلا: جلسات الصلح الأهلية تحل أكثر من 80% من المشكلات والقضايا التي تنشأ بين المواطنين، ورغم أن ما يصل إلى المحاكم القضائية لا يتجاوز الـ20 %، فإننا نرى كيف تكتظ ساحات المحاكم بالقضايا، لذلك فالمجالس العرفية تعتبر ركيزة أساسية من ركائز استقرار المجتمع وأمنه.
عماد البرقي: ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع
يستطرد عماد فرج البرقي مؤكدا: بفضل الله، ثم إخلاص أعضاء المجلس العرفي، يتم حل جميع المشكلات التي تعرض علينا، لأن الله تعالى تعهد بذلك في قوله سبحانه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، مشيرًا إلى أن هذه الجلسات تتوارثها العائلات والأجيال المتعاقبة عن طريق الخبرة والممارسة العملية، فالأبناء ينشؤون على حب الخير والصلح بين الناس، وقد يصل عدد الجلسات في اليوم الواحد إلى 7 أو 8 جلسات، وضرب مثلا عمليا حينما كاد أحد الأطراف يفسد جلسة الصلح بسبب طلب مبلغ زيادة، سارع «عماد» طالبا من «الباشا رشدي البرقي الصغير» بإحضار مائة ألف جنيه فورا لإتمام الصلح.
النائب نافع التراس: تعظيم الإيجابيات.. واجب وطني وديني
من جانبه، أشاد الإعلامي نافع التراس، مذيع برنامج المواطن والمسئول بقناة الشمس، نائب رئيس حزب حقوق الإنسان والمواطنة، بالدور الوطني المخلص لأمثال هؤلاء المصريين الشرفاء الذين يقومون بالإصلاح بين الناس انطلاقا من الأمر الإلهي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (الأنفال: 1)، والتوجيه النبوي الشريف، فيما رواه عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما: «أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومن كَظَمَ غيْظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ».
اقرأ أيضا| القومي لحقوق الإنسان يبحث تعزيز التعاون مع الأمم المتحدة
تابع: هذا هو الدور الإعلامي والحزبي الذي يجب أن يكون في تشجيع النماذج الوطنية الطيبة الساعية في إصلاح ذات البين، فإن إفسادها هي الحالقة، فعن أبي الدرداء قال رسول الله: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ، وَالصَّلاةِ، وَالصَّدَقَةِ؟» قالوا: بلى. قال: «صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ».
ويُروى عن النبي ﷺ قال: «هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ: هي تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ».

مصطفى ياسين: علينا الحذرمن الفتنة
يصف الكاتب الصحفي مصطفى ياسين، رئيس تحرير «عقيدتي»، جلسة الصلح بقوله: هذه هي مصر المحبة والمودة والتسامح فيما بين أبنائها، لا فرق بين أحدهم على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، وهي القيم والمبادئ التي أرساها الدين الحنيف، ورسختها الدولة المصرية الحديثة بتوجيهات وتأكيدات الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي يحرص دوما على تجسيدها وتجذيرها في المعاملات الحياتية اليومية.
ويؤكد «ياسين» أن مصر ستظل عصية على الانكسار طالما كانت لحمتها الوطنية ونسيجها الاجتماعي متماسكا منصهرا في البوتقة المصرية الخالصة، لا تعرف التفرقة بين أبنائها، محذرا من مخططات التفريق التي تحاك للمصريين على مر العصور: بين مسلم ومسيحي، وسني وشيعي، وصعيدي وبحراوي، مؤكدًا أن فضل الله على هذه الأرض الطيبة المباركة أن تظل دائما أبدا موحدة صامدة، فقد تعهد المولى عز وجل بحفظها فقال على لسان سيدنا يوسف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (99)، وما رواه عمرو بن العاص: حدَّثني عمر -رضي الله عنهما- قول سيدنا النبي: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتّخذوا فيها جندا كثيفا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض». فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة».
وحذر «ياسين» من التسرع في النشر أو المشاركة لما يُبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وضرورة التثبت والتريث، ناصحا بقوله: «فَكِّر قبل ما تُشَيِّر»، فالكلمة أمانة، وكل منا مسئول عما يقول أو ينشر، وقد حذرنا سيدنا النبي، فيما رواه معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني بعملٍ يُدخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني منَ النَّارِ، قال: لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنَّهُ ليسيرٌ على من يسَّرَه اللهُ عليه، تعبدُ اللهَ ولا تشرِكُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتؤتي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ، ثمَّ قالَ: ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقةُ تطفئُ الخطيئةَ، كما يطفئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجلِ في جوفِ اللَّيلِ، ثمَّ تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ثمَّ قال: ألا أُخبِرُك برأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروةِ سَنامِه؟ قلت: بلى، يا رسولَ اللهِ، قال: رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قال: ألا أخبرُك بمِلاكِ ذلك كلِّه؟ قلتُ: بلى، يا نبيَّ اللهِ، فأخذَ بلسانِهِ، وقال: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخذونَ بما نتكلَّمُ به؟ قال: ثكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وهل يكبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم، أو على مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم».

عبدالهادي عباس: قوة الوطن في وحدة أبنائه
وأشار الكاتب الصحفي عبدالهادي عباس، رئيس تحرير جريدة «اللواء الإسلامي» إلى تأكيدات الرئيس عبدالفتاح السيسي دائما بأن مصر ستظل قوية طالما كنا نحن المصريين يدا واحدة متماسكة مترابطة، موضحا أن هذه المجالس العرفية تخفف الضغط كثيرًا على المحاكم القضائية لأنها تحل المشكلات والقضايا قبل استفحالها، ما يساعد على استقرار المجتمع وأمنه.
اقرأ أيضا: السيسي يشهد تخرج الدورة الثالثة لأئمة الأوقاف ويفتتح قاعة الصفوة
وأشاد عبدالهادى بالدور الوطني الذي تلعبه القيادات الشعبية في إقرار الأمن والسلم الاجتماعي، والذي يجب أن يحظى بدعم الإعلام الوطني وكل المؤسسات، بل الأفراد المخلصين، لتظل مصر وحدة متماسكة لا يستطيع العدو النفاذ من أي ثغورها، وهذا هو سر بقائها وقوتها.

د. عباش شومان: الإسلام منهج متكامل يقوم على التسامح
يؤكد د. عباس شومان، رئيس لجنة المصالحات بالأزهر الشريف، أن الإسلام أولى قضية الإصلاح بين الناس اهتمامًا بالغًا، وجعلها من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم حث على الصلح في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.
اقرأ أيضا| د. عباس شومان يرسخ قيم السلم المجتمعي ويحتوي أزمة بني محمديات
ويضيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الإصلاح بين الناس من أعظم القربات، فقال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين».
ويشير إلى أن الخصومات إذا تُركت دون علاج قد تتحول إلى عداوات ممتدة تؤثر على الأسر والأبناء والمجتمع كله، لذلك جاء الإسلام بمنهج متكامل يقوم على التسامح والعفو والصلح والتغاضي عن الزلات حفاظًا على تماسك المجتمع.
جهود مكثفة
ويتابع د. شومان أن اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف تبذل جهودًا مكثفة وعلى نطاق واسع في مختلف محافظات الجمهورية، وخصوصًا محافظات الصعيد، لإنهاء كل الخصومات الثأرية التي تصل إلى اللجنة أو التي تتعرف عليها، والعمل بكل جد وإخلاص للقضاء على ظاهرة الثأر المقيتة، لافتًا إلى أن اللجان الفرعية بالمحافظات تعمل بشكل مستمر لحصر الخصومات وعقد جلسات متواصلة مع أطراف الخصومات لإنهائها، وهو ما يتوج بعقد الجلسات المعلنة للصلح، وذلك بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية بالمحافظات.
ويشير رئيس لجنة المصالحات إلى أهمية جهود اللجنة في إرساء قيم الإسلام الحنيف ودعائم الأمن والاستقرار والطمأنينة بين أفراد المجتمع، ونزع الغل والشحناء من النفوس، جنبًا إلى جنب مع جهود مؤسسات الدولة، ودفع عجلة التنمية والنمو، فالمجتمع اليوم أحوج ما يكون إلى العمل والإخلاص والإتقان ونبذ كل أشكال الفرقة والخلاف، مؤكدًا أن اللجنة ستبذل كل ما في وسعها خلال العام الجاري لإنهاء جميع الخصومات التي تصل إليها.
ويؤكد د. عباس أن اللجنة تحظى بدعم كبير من الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ومشاركة وزارات الداخلية والتنمية المحلية والتضامن الاجتماعي، والجهات والهيئات المعنية والحكماء وعمد ومشايخ البلاد، كما أن إدخال التحول الرقمي في عمل اللجنة أسهم بشكل فعال في تسهيل تسجيل الخصومات على الموقع الإلكتروني للجنة سواء من قبل أطراف الخصومة أو من طرف أعضاء لجنة المصالحات، وسرعة حصرها والتعامل معها، وعمل تحليل للبيانات لوضع الخطط الفاعلة التي تكفل الوصول إلى تحقيق أهداف اللجنة.

د. ذكري علي: الأزهر يدعم المصالحات المجتمعية
ويضيف د. ذكري علي، وكيل كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أن الأزهر الشريف كان ولا يزال أحد أهم الداعمين لجهود المصالحات المجتمعية، حيث يشارك علماء الأزهر بشكل دائم في جلسات الصلح التي تُعقد في مختلف المحافظات.
ويؤكد أن وجود العالم الأزهري داخل جلسات المصالحة يمنحها قوة معنوية كبيرة، لأن المتخاصمين يستمعون إلى الأحكام الشرعية التي تذكرهم بحقوق الأخوة الإنسانية وحرمة الدماء والأموال والأعراض.
ويذكر أن دور علماء الأزهر لا يقتصر على إلقاء الكلمات الوعظية فقط، بل يسعون إلى تقريب وجهات النظر وإقناع الأطراف المتنازعة بالتنازل عن بعض المطالب من أجل المصلحة العامة والحفاظ على الروابط الاجتماعية.
اقرأ أيضا| «الصلح خير».. مبادرة «التآلف بين الناس» للحد من العنف
ويؤكد د. ذكري أن المجتمع المصري يمتلك رصيدًا حضاريًّا كبيرًا في مجال الصلح الأهلي، وهو ما ساهم في احتواء كثير من النزاعات التي كان يمكن أن تتطور إلى أزمات خطيرة.

د. على الله الجمال: دور كبير لوزارة الأوقاف في حل الخلافات
ويرى د. علي الله الجمال، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف، أن نجاح المصالحات العرفية لا يعتمد فقط على جلسة الصلح النهائية، وإنما يبدأ من بناء ثقافة مجتمعية تقوم على التسامح ونبذ الكراهية.
ويقول إن وزارة الأوقاف تقوم بدور مهم في هذا المجال من خلال خطب الجمعة والدروس الدينية والندوات التثقيفية التي تؤكد على حرمة الخصومة والاعتداء وأهمية العفو والإصلاح.
اقرأ أيضا| "الجلسات العرفية".. أحد طرق العدالة الناجزة لحل الخلافات
وينوه إلى أن الأئمة في القرى والمراكز غالبًا ما يكونون جزءًا من لجان الإصلاح العرفي، لما يتمتعون به من ثقة واحترام لدى الأهالي، الأمر الذي يساعد على تقريب وجهات النظر واحتواء الخلافات قبل أن تتفاقم.
ويؤكد أن الإسلام لا ينظر إلى الصلح باعتباره تنازلًا أو ضعفًا، بل يعتبره قوة أخلاقية وحضارية تعكس وعي الإنسان وإدراكه لمصلحة المجتمع.

د. سامية خضر : إنهاء النزاعات يعزز حالة الاستقرار
من جانبها، تؤكد د. سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، أن المصالحات العرفية تؤدي وظيفة اجتماعية مهمة للغاية، لأنها تعالج الآثار النفسية والاجتماعية للخلافات، وهي أمور قد لا تتمكن الأحكام القضائية وحدها من معالجتها.
وتوضح أن الخصومات الممتدة تؤثر سلبًا على الأطفال والشباب والنساء، كما تؤدي إلى تراجع التعاون الاجتماعي وتعطيل التنمية داخل المجتمعات المحلية.
وتضيف أن نجاح المصالحات في إنهاء النزاعات يسهم في استعادة الثقة بين المواطنين ويعزز حالة الاستقرار المجتمعي.

بين العرف والقانون
ويرى د. عبدالمنعم شحاتة، أستاذ علم الاجتماع، أن المصالحات العرفية تمثل أحد أهم أدوات الضبط الاجتماعي في المجتمعات المحلية، مؤكدًا أن المجتمع المصري يتميز بقوة الروابط الأسرية والعائلية، لذلك فإن استمرار الخصومات يؤدي إلى تفكك هذه الروابط وإضعاف حالة الاستقرار الاجتماعي.
كما يؤكد أن جلسات الصلح لا تنهي النزاع فقط، بل تعيد بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وتمنع انتقال الخلاف إلى الأجيال الجديدة.
ويشير إلى أن الدراسات الاجتماعية تؤكد أن المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة الصلح تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأقل عرضة للعنف المجتمعي.
اقرأ أيضا| محافظ سوهاج ومدير الأمن يشهدان صلح عائلتى عبدالعال وإسماعيل
ويرى المستشار محمد عبدالعال أن المصالحات العرفية لا تتعارض مع القانون طالما التزمت بالإطار القانوني وحفظت حقوق جميع الأطراف.
ويؤكد أن القضاء يظل الجهة المختصة بالفصل في الحقوق والنزاعات القانونية، لكن المصالحات العرفية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًّا في تقليل حدة التوتر وإنهاء النزاعات بصورة ودية.
ويضيف أن الدولة نفسها تشجع في كثير من الأحيان التسويات الودية التي تحقق الاستقرار وتحافظ على العلاقات الاجتماعية.
جنود مجهولون
ويقول الحاج عبدالرحيم أبو المجد، أحد أبرز رجال المصالحات العرفية بقنا، إن مهمة الإصلاح ليست سهلة كما يظن البعض، بل تحتاج إلى صبر طويل وخبرة كبيرة في التعامل مع النفوس البشرية.
ويضيف أن كثيرًا من الخصومات تبدأ بسبب خلاف بسيط، لكن تدخل أطراف متعددة يؤدي إلى تعقيد الأزمة وتحويلها إلى نزاع كبير، وهنا يأتي دور رجال الإصلاح في تهدئة الأجواء والاستماع إلى جميع الأطراف.
ويشير الحاج عبدالرحيم إلى أن لجان المصالحات تتحرك فور وقوع الأزمة، فتبدأ بجمع المعلومات والاستماع إلى روايات الأطراف المختلفة، ثم عقد جلسات تمهيدية منفصلة قبل الوصول إلى جلسة الصلح النهائية.
ويؤكد أن نجاح الصلح يعتمد على الحياد الكامل والعدل وعدم الانحياز لأي طرف، لأن الثقة هي رأس مال رجل الإصلاح.
أصعب الملفات
أما الحاج محمد عبدالتواب، من رجال المصالحات بأسيوط، فيؤكد أن إنهاء الخصومات الثأرية يعد من أصعب الملفات التي تواجه لجان المصالحات.
اقرا ايضا: "بناء المجتمع" يتصدر مناقشات مؤتمر أصول الدين بأسيوط 6 أبريل
ويقول إن الثأر لا يهدد أسرتين فقط، بل قد يهدد قرى بأكملها، لذلك تحتاج جهود إنهائه إلى تعاون جميع مؤسسات الدولة ورجال الدين والعمد والمشايخ وأهل الرأي.
وينوه إلى أن جلسات الصلح في قضايا الثأر تمر بمراحل طويلة من التفاوض والإقناع، وقد تستغرق شهورًا أو سنوات حتى تصل إلى نتيجة مرضية.
ويوضح أن المشهد الأكثر تأثيرًا يكون لحظة إعلان العفو والتسامح بين العائلتين، حيث تتحول مشاعر الغضب والعداء إلى مشاعر ارتياح وفرحة تعم الجميع.
ويوضح الحاج سليمان أبو الوفا، أحد رجال المصالحات بمحافظة سوهاج، أن جلسات الصلح لا تتم بصورة عشوائية كما يعتقد البعض.
ويقول إن هناك خطوات متعارفًا عليها تبدأ بجمع المعلومات الكاملة حول النزاع، ثم التواصل مع الطرفين بشكل منفصل، وبعد ذلك يتم تشكيل لجنة من الشخصيات المقبولة لدى الجميع.
اقرأ أيضا| "مدير أوقاف سوهاج" يشارك في جلسة صلح بقرية الصوامعة لدعم قيم التسامح
ويضيف أن المرحلة الأصعب تتمثل في تقريب وجهات النظر وإقناع كل طرف بتقديم بعض التنازلات من أجل المصلحة العامة.
ويؤكد أن نجاح الصلح لا يقاس بمجرد توقيع الاتفاق، وإنما بقدرته على منع تجدد النزاع مستقبلًا وإعادة العلاقات الطبيعية بين الأطراف.



