♦ الشيخ محمد الجملي: مبادرات مشروعة بشرط عدم مخالفة أحكام الشريعة
♦ الحاج أحمد سعيد: تقضي علي الخلافات لتحقيق السلم المجتمعي
♦ د. ملك أحمد: دورها إيجابي في حل النزاعات القبلية
♦ عبدالحي محمد: ليست بديلا عن القانون وقد تساهم في تفاقم المشاكل
تعتبر الجلسات العرفية لحل المشاكل وفض المنازعات بين الأسر والقبائل أبرز صور القضاء الشعبي غير الرسمي في حسم الكثير من المشاكل داخل مجتمعنا، وهي مجالس غير رسمية، تُعقد بين أطراف النزاع، في وجود محكمين عرفيين من كبار العائلات المعروفة أو الشخصيات المرموقة من أصحاب السمعة الطيبة.
وقد أسهمت هذه الجلسات بقدر كبير في تخفيف العبء عن القضاء الرسمي، وهي آلية اجتماعية لها وجود ثابت وقديم في الثقافة المصرية، خاصة في المناطق الريفية والصعيد، حيث تقوم بدور كبير في فض النزاعات وتحقيق الصلح بين الأطراف المتخاصمة.
اللواء الإسلامي تستعرض في السطور التالية رأي خبراء الأمن والقانون والاجتماع والدين ومحكمي الجلسات العرفية، للوقوف علي آليات عملها، ودورها المهم في المجتمع.
يقول الحاج أحمد سعيد المتجلى، رئيس الجلسات العرفية فى قويسنا بمحافظة المنوفية، إنه يترأس الجلسات العرفية منذ ١٥ عامًا وأن الهدف منها فض المنازعات والخلافات ويترتب علي بعضها العواقب، مؤكدا أنه يُشترط أن يكون رئيس اللجنة أكبر الأعضاء سنًا وكذلك لا بد من ممارسته العمل في الفض لفترة طويلة، وأن يشهد له الجميع بالاحترام وسداد الرأي.
ويضيف: لكل منطقة مناخها وعاداتها وطريقتها من حيث اختيار «المحكّم»'، فقد يكون المحكّم في منطقة ما نائبًا في مجلس النواب أو الشيوخ، أو تاجرًا كبيرًا، بينما قد يكون في منطقة أخري شخصًا بسيطًا ليس له أي أطماع شخصية. وأن الأساس في التحكيم هو السمعة الطيبة بين أفراد المنطقة.
ويوضح الحاج سعيد أنه يتم التوقيع علي إيصالات أمانة من طرفي النزاع قبل بدء الجلسة، وذلك ضمانًا علي انضباط الجلسة، وألا يقوم أحد طرفي النزاع بالتعدي على قوانينها، ولا بد من التزام الجميع حدودهم أثناء الجلسة، ومن ضمن الاشتراطات يكون من الضروري أن يقوم جميع أطراف الجلسة بالتوقيع علي محضر «قبول تحكيم» قبل بدء الجلسة العرفية، ويؤكد: "تبدأ الجلسة العرفية «بالقسم»، ثم تقييم أقوال الطرفين.،ومن خلال أعضاء الجلسة يتم تقييم أخطاء كل طرف، وتُحدد مبالغ مالية «غرامة مالية مستحقة» للطرف المجني عليه أو أسرته.
أحكام شرعية
ويوضح أنه يتم التدخل في قضايا الدم تحقيقًا للأمن والسلم بين العائلات حتي بعد الحكم الجنائي علي أحد الطرفين وبعد تنفيذ العقوبة حتي لا يحدث أي تطورات، مبينا أن تقدير «الدية» يكون حسب الشرع، ولابد من مراعاة الأحكام الشرعية وفقًا للأزهر الشريف، الذي يمثل وجوده ركنًا أساسيًا من الجلسة العرفية في محافظة المنوفية، كما يُراعي في تقدير الدية الظروف الاقتصادية للبلاد وللجاني، وقدراته المادية وممتلكاته وما يستطيع أن يقدمه لأهل المجني عليه. حتى يتمكن الجاني من تجميع المبلغ ويستفيد أهل المجني عليه وبارتضاء الأطراف.
ويشير الحاج سعيد إلي أن قضايا القتل العمد مع الإصرار والترصد تصل الدية فيها إلي 100 ناقة أو ما يعادلها بالتقدير النقدي بالعملة أو الذهب أو الفضة. ويقدَّر سعر الناقة الواحدة بين ١١٠ : ١٣٠ ألف جنيه، وبالتالي قد تُقدَّر الدية للقتل العمد بما يتراوح من ١٠٠ إلى ٣٠٠ مليون جنيه مصري، وقد يحدث في جلسات أخري تقدير الدية بما يرتضي به الأطراف المتنازعة حقنًا للدماء، وذلك -كما ذكرت- حسب ظروف الجاني وطبيعة القضية والحدث، وما تسبب فيه الجاني، حيث تُقدَّر نسبة الخصم من الدية وفقًا لتقدير رئيس اللجنة والأعضاء.
وتابع أنه من الحالات التي تتدخل فيها الجلسات العرفية لفضّ المنازعات قضايا الإرث، إذ لا بد من حضور أهل الدين لأخذ رأي الشرع الحنيف. كما يتم دعوة طرف آخر من أهل القانون «محام أو مستشار قانوني» ليتم ضبط الإجراء الفعلي بعد إصدار الحكم، فمن خلال العرف والدين تكتمل الجلسة العرفية، وقد يحدث في بعض القضايا أن يتم الاستعانة بالأزهر الشريف لنطق الحكم.
قضاء شعبي
من جانبها تقول الدكتور ملك أحمد، مدرس علم الاجتماع ببنات عين شمس، إن الجلسات العرفية هي آلية ضبط اجتماعي غير رسمية تهدف إلى تحقيق السلام الاجتماعي وحل النزاعات، خاصة في المناطق الريفية والقبلية، حيث تعمل كقضاء شعبي ولها دورها الإيجابي في حفظ السلم والأمن الاجتماعيين.
وتشير إلي بعض سلبياتها التي منها تخاذل محكمي بعض الجلسات العرفية وعدم حياديتهم، في إقناع المظلوم بالتنازل عن حقوقه لصالح الظالم، وذلك ما يشين هؤلاء المحكمين ويوصمهم بالعار في حياتهم وبعد مماتهم، فضلا عن اتخاذ قرارات تتعارض مع الدستور والقوانين الرسمية للدولة، مثل قرارات التهجير أو الاعتداء على الحقوق المدنية، مؤكدا أن هذه الجلسات تمثل انتهاكاً للحق في اللجوء إلى القضاء الرسمي، وإهداراً لحق المواطن في الحصول على العدالة.
تحدي للقانون
ويرى أحمد أبو زيد، الخبير الأمني، أنه في الوقت الذي يعتبرها البعض ظاهرة اجتماعية لها أصولها العرفية وقدرتها على حل النزاعات في إطار المجتمع الريفي، فإنه يراها تمثل تحديًا للنظام القانوني والقضائي. ووسيلة للتهرب من القانون. ولا بد أن تخضع لإشراف الدولة لضمان العدالة وعدم مخالفتها للنظام العام، ويشير أبوزيد إلي أن بعض قرارات الجلسات العرفية تمثل مخالفة صريحة للدستور وقانون العقوبات، مثل فرض عقوبات تعسفية أو التهديد بالعقاب لمن يلجأ للقضاء.
وتابع أن هذه المجالس لا تخضع لأي نوع من أنواع الرقابة، مما يعني غياب الضمانات اللازمة للمحتكمين لضمان حقوقهم.
ويؤكد أنه لا بد من معالجة جذور المشكلات الاجتماعية والطائفية، وهو ما تفتقده هذه الجلسات في الإكتفا، بإطفاء النزاعات بشكل مؤقت.
لجان مصالحة
وفي السياق نفسه، يقول اللواء حسين العمرى، مساعد وزير الداخلية السابق، إن الدولة تستعين بعلماء الدين وشيوخ القبائل للتدخل بين المتخاصمين فى حالات الثأر لإتمام التصالح والقضاء على أسباب الخصومة وعدم التوسع فيها بين الأطراف، تحت مسمى «لجان مصالحة» يتم تشكيلها بمعرفة وزارة الداخلية لمحاولة الصلح فى المسائل التى يترتب على حدوثها الإخلال بالأمن العام، وفى دور لجان المصالحة فى الحد من نزيف الدماء، مؤكدا أنه لا يعترض على وجود الجلسات العرفية حتى لو لم تكن مقننة من الناحية القانونية وغير منصوص عليها فى القانون، ولكنها فى الوقت نفسه لا علاقة لها بالقضاء وهى ليست بديلا عن التقاضى بين المتخاصمين.
ويوضح أن القضاء سلطة من سلطات الدولة الثلاث، ولا يمكن الاستعاضة عنها، ولا بد من التوسع فى لجان المصالحات بشرط أن تكون تحت إشراف الدولة خاصة فى القضايا البسيطة لتخفيف العبء عن القضاء وتحقيق العدالة الناجزة، كما أن الجلسات العرفية وأحكامها لها أصل فى فلسفة القانون وهى السعى إلى التصالح بين المتنازعين وإقامة علاقات ودية بين الأطراف المتنازعة.
كما أن التصالح هو تنازل مشترك بين الأطراف عن حقهم فى القضية، ولا بد أن نعترف أن هناك مجتمعات قبلية تحكمها العادات والتقاليد وتسرى عليها الأعراف وتتحكم فى معاملاتها العائلات، مما يعكس قوة العرف وسيادة ثقافة القانون الاجتماعى فى الصعيد وبعض قرى الريف، لذلك فإن الجلسات العرفية تتشكل من كبار العائلات أصحاب السلطة المأخوذة من العرف والتقاليد والثقافة الاجتماعية التقليدية المتوارثة وبالتالي تكون أحكامها ملزمة ويمكن نقضها حتى فى حالة اللجوء إلى القانون.
غير قانونية
ومن جانبه يؤكد عبد الحي محمد عبد المجيد، الخبير القانونى، أن جلسات الصلح العرفية التي ينظمها محكمون من كبار العائلات وشيوخ القبائل لحل الصراعات فى الصعيد والمناطق البدوية لا سند لها فى القانون، ولا يعتد بها من منظور القضاء حتى لو تنازل الطرفان عن حقهما أمام القاضى بسند كتابي، لأن القانون المصرى لا يعترف مثلًا بمفهوم دفع «الدية» فى جرائم القتل لأهل القتيل ويشترط تنفيذ العقوبة على المتهمين، وأن يأخذ القانون مجراه على الجميع.
ويضيف عبد الحي أن جلسات الصلح العرفية لا يُعتدّ بها قانونًا، ولجوء بعض العائلات أو القبائل لها كبديل عن القانون لا يعتبر شيئًا إيجابيًا ولا يمنع القضاء من نظر أي دعوى جنائية والفصل فيها بالعدل ووفق أحكام القانون، خاصة أن هناك مسئولية كبيرة على الدولة لإنهاء النزاع وتقديم كل المتهمين للعدالة أيًا كان عددهم أو مركزهم، فقانون العقوبات جعل الإعدام عقوبة لكل من ارتكب جريمة القتل العمد، وبالتالى لا بد من إعدام كل من تورط فى الجرائم البشعة وإلا ضاعت هيبة الدولة.
ويشير إلي أنه دائمًا تتدخل الدولة من خلال «لجان المصالحة» الرسمية، وهي ليست الجلسات العرفية غير الرسمية، لمحاولة الصلح في القضايا التي قد تهدد الأمن العام، وموضحا أنه يُنظر إلى الجلسات العرفية بحذر شديد من وجهة نظر أمنية وقانونية، حيث يرى الخبراء أنها قد تساهم في تفاقم المشاكل بدلًا من حلها، وتتسبب في إهدار حقوق المواطنين. لذلك، ينادي الخبراء بأن تكون هناك لجان مصالحة رسمية تحت إشراف الدولة لمعالجة هذه الظاهرة بما يحقق العدالة ويضمن سيادة القانون.
أما الشيخ محمد الجملي، أمين لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، فيقول إن الجانب الشرعي يُشير إلى أن الصلح والعرف مبادئ مشروعة، لكنه يشترط ألا يتنافى ذلك مع الشرع نفسه، وألا يتعارض مع السلطة الشرعية أو القانونية في إقامة الحدود والعقوبات، بينما يرى الجانب القانوني أن الجلسات العرفية ليس لها سند قانوني في القضايا الجنائية ولا يُعتد بها قضائيًا إلا إذا وثقت كصلح أمام المحكمة المدنية أو التجارية، مع التأكيد على ضرورة تطبيق القانون الجنائي وعدم التساهل فيه.



