هل يسيطر التحول الرقمي على مستقبــــــــــــــل التمويل الشرعي

الاقتصاد الإسلامي والذكاء الاصطناعي - توافق أم تنافر

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

الخبراء: التحول الرقمي أداة رئيسية لتحقيق التنمية المستدامة

فَرض التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وجوده فى معاملاتنا اليومية،  دون استثناء، ومن بين هذه القطاعات بالتأكيد المعاملات المالية والمدفوعات داخل المؤسسات المالية المختلفة، ونظراً للنمو الذي يشهده قطاع المصرفية والمالية الإسلامية، واستحواذه على حصة مقدرة فى السوق المصرية والعربية والإسلامية.
حرصنا فى التحقيق التالي للتعرف على الضوابط والمحددات الشرعية التي تحكم العاملين بهذا القطاع الحيوي الذي يستمد أسسه من الشريعة الإسلامية.. وأكد الخبراء  أهمية مواكبة التطور الاقتصادي العالمي من خلال موطئ قدم للمعاملات المالية الإسلامية بشكل أشمل و أوسع.

وفى إطار الاهتمام الواسع بقضايا الاقتصاد الإسلامي والتحول الرقمي وتطور الذكاء الاصطناعي والتحديات المعاصرة التي ترافق ذلك التطور المتسارع طرحنا عليهم عددا من القضايا المرتبطة بالاقتصاد الإسلامي، وفى مقدمتها التحول الرقمي فى المعاملات المالية والمصرفية، والضوابط الشرعية للخدمات والتطبيقات الرقمية الحديثة، وتحدياتهما المعاصرة.

د. محمد برس: فرصة للتمويل الإسلامي للوصول لشرائح متعددة

بداية يقول د. محمد السيد برس، مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، إن العالم اليوم يشهد تحولًا جذريًا تقوده التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وهو تحول لا يقتصر فقط على تطوير أدوات الدفع والخدمات المصرفية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل مفاهيم الاقتصاد والاستثمار والحوكمة المالية عالمياً". ويشير إلي أنه في قلب هذه التحولات، يبرز سؤالا جوهريا أمام العالم الإسلامي:  "هل يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يواكب هذا التطور المتسارع، وأن يقدم نموذجًا ماليًا حديثًا يجمع بين الابتكار التقني والالتزام بالقيم الشرعية؟" ، مؤكدا أن التكنولوجيا المالية (FinTech) والذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والعملات الرقمية، أصبحوا واقعًا اقتصاديًا جديدًا يفرض نفسه على الحكومات والبنوك والمؤسسات المالية، الأمر الذي يتطلب رؤية شرعية واقتصادية متوازنة تحفظ الثوابت وتستثمر الفرص.

ضوابط شرعية
وحول الضوابط الشرعية في المعاملات المالية الرقمية، يوضح د. برس، أنه مع الانتشار الواسع للخدمات المصرفية الإلكترونية والمحافظ الرقمية والعقود الذكية، أصبحت الحاجة ملحّة لوضع ضوابط شرعية دقيقة تنظم هذه المعاملات الحديثة، مبينا أن الاقتصاد الإسلامي يقوم في جوهره على تحقيق العدالة والشفافية، وربط التمويل بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، ومن ثم منع الربا، وتجنب الغرر والمقامرة.

ويضيف د. برس أن الدراسات الحديثة أثبتت أن تقنيات مثل "البلوك تشين" يمكن أن تدعم مبادئ الشفافية وتقليل التلاعب في المعاملات المالية الإسلامية، إذا تم توظيفها ضمن إطار شرعي ورقابي واضح، كما تطرح العقود الذكية والذكاء الاصطناعي تحديات فقهية جديدة، خصوصًا فيما يتعلق بالمسئولية القانونية، والعدالة في اتخاذ القرارات التمويلية، وحماية خصوصية العملاء.

الشمول المالي

وتابع د. برس، أنه مما لا شك فيه أن التحول الرقمي أصبح أداة رئيسية لتحقيق التنمية المستدامة والشمول المالي، خاصة في الدول النامية"، مؤكدا أن الخدمات المالية الرقمية تسهم في تسهيل وصول الأفراد للخدمات البنكية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن تقليل الاقتصاد غير الرسمي، وخفض تكاليف المعاملات، بالإضافة إلى زيادة كفاءة الأسواق المالية.  ويوضح د. برس، أن التمويل الإسلامي الرقمي يمتلك فرصة كبيرة للوصول إلى شرائح مجتمعية كانت بعيدة عن النظام المصرفي التقليدي، خصوصًا في المجتمعات المحافظة التي تفضّل المعاملات المتوافقة مع الشريعة.

مشيرا إلي أن العديد من الدول الإسلامية، تعمل على تطوير أنظمة الدفع الرقمي والعملات الرقمية الرسمية للبنوك المركزية لتعزيز الشمول المالي وتحسين كفاءة الاقتصاد. وينوه أنه بالرغم من النمو العالمي للصيرفة الإسلامية، لا تزال بعض المنتجات الإسلامية أقل تنوعًا ومرونة مقارنة بالمنتجات التقليدية، لكن التطور التقني الحالي قد يفتح الباب أمام جيل جديد من المنتجات الإسلامية المبتكرة، مثل: التمويل الإسلامي الرقمي، والصكوك الذكية، والتمويل الجماعي الإسلامي، والمحافظ الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة، والتأمين التكافلي الرقمي.

اقرأ أيضا|مفتي الجمهورية يشارك في مؤتمر التحول الرقمي والإقتصاد الإسلامي

وينوه د. برس أن الذكاء الاصطناعي، يمكنه أن يساعد في تحليل المخاطر، والقدرة على تصميم منتجات مخصصة للعملاء، وكذلك تسريع إجراءات التمويل، فضلا عن تحسين الرقابة الشرعية والامتثال، ويري أن نجاح ذلك يتطلب وجود هيئات شرعية وتقنية قادرة على مواكبة هذا التطور المتسارع.

كوادر متخصصة

ويؤكد د. برس أن نقص الكفاءات التي تجمع بين الفقه الإسلامي، والاقتصاد، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، تمثل أكبر التحديات، معللا ذلك بأن السوق اليوم، باتت في أمس الحاجة إلى متخصصين يفهمون الأحكام الشرعية بعمق، وفي الوقت نفسه يمتلكون المعرفة الاقتصادية والقدرة على فهم التقنيات الحديثة وآليات عملها. ويري مدير مركز صالح للأقتصاد أن تطوير برامج أكاديمية جديدة، باتت ضرورة ملحة لإعداد خبراء متخصصين في الامتثال الشرعي الرقمي، والتكنولوجيا المالية الإسلامية، والأمن السيبراني.

وفيما يتعلق بفرص اعتماد العملات الرقمية المشفرة في السوق المصرية، يؤكد مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، أن هناك تزايدا وإقبالا كبيرا على العملات الرقمية المشفرة مثل البيتكوين Bitcoin التي أثارت جدلًا واسعًا اقتصاديًا وشرعيًا وقانونيًا، مشير إلي أن  مصر، لا تزال فيها العملات المشفرة غير معترف بها رسميًا، حيث يحظر البنك المركزي إصدارها أو الترويج لها أو تداولها دون ترخيص رسمي.. وفي الوقت نفسه، يدرس البنك المركزي المصري إمكانية تطوير عملة رقمية رسمية، ضمن توجه عالمي متزايد نحو العملات الرقمية السيادية،  وهنا يجب التمييز بين: العملات المشفرة اللامركزية عالية المخاطر، والعملات الرقمية الرسمية التي تصدرها البنوك المركزية تحت رقابة الدولة.

ويوضح د. برس أن الخلاف لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل أيضًا بالاستقرار المالي والسيادة النقدية ومكافحة غسل الأموال والاحتيال الإلكتروني، ويستطرد أنه علي الرغم من امتلاك الصكوك الإسلامية إمكانات كبيرة في تمويل التنمية والبنية التحتية، فإنها لم تحصل بعد على المساحة الكافية في بعض الأسواق العربية،  غير أن التكنولوجيا الرقمية قد تسهم في: تسهيل إصدار الصكوك، وتحسين الشفافية، بالإضافة إلى توسيع قاعدة المستثمرين، فضلا عن خفض تكاليف التداول والإدارة.  كما يمكن أن يظهر مستقبلًا ما يعرف بـ: "الصكوك الرقمية الخضراء"، التي تربط بين التمويل الإسلامي والاستدامة البيئية والتنمية الذكية.

 وحول مدى جاهزية البنية التحتية والأمن السيبراني لدينا لمواكبة هذه التطورات، يؤكد د. برس أن أي تحول رقمي حقيقي يتطلب بنية تحتية قوية تشمل: سرعة الإنترنت، ومراكز البيانات، وأنظمة الحماية الإلكترونية، وسن تشريعات تنظم الأدوات الرقمية الحديثة. ويشير إلي أنه من الطبيعي التوسع في الخدمات المالية الإلكترونية، وزيادة مخاطر القرصنة الإلكترونية، وسرقة البيانات، ويظهر الاحتيال الرقمي، والهجمات السيبرانية على المؤسسات المالية؛ لذلك أصبح الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي القومي.. ويستكمل د. برس، حديثه مؤكدا أن العالم اليوم لا يشهد مجرد تطور تقني عابر، بل يعيش مرحلة إعادة تشكيل شاملة للنظام المالي العالمي.

والسؤال الأهم لم يعد: "هل سندخل عصر الاقتصاد الرقمي؟" بل أصبح: "كيف سندخل هذا العصر؟" "وهل سنكون مجرد مستهلكين للتكنولوجيا أم شركاء في صناعتها وفق نموذج أخلاقي وإنساني متوازن؟".. و جوابنا:"يمتلك الاقتصاد الإسلامي فرصة تاريخية لتقديم نموذج مالي أكثر عدالة واستدامة في العصر الرقمي، لكن تحقيق ذلك يتطلب: تحديث التشريعات، ودعم الابتكار من قبل المؤسسات المالية الإسلامية والحكومات، والاستثمار الممنهج في الكفاءات البشرية، وتعزيز التعاون بين علماء الاقتصاد والتقنيين وصناع القرار".

محاضرات متخصصة

وينوه د. برس، إلى نية المركز تنظيم سلسلة محاضرات تدريبية موسعة حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ودورها في خدمة الاقتصاد الإسلامي، خلال الفترة المقبلة، حيث ستشمل المحاضرات تدريبات عملية وتصميمات لنماذج معرفية للبحث في الاقتصاد الإسلامي، وبيان أثر تقنيات الذكاء الاصطناعي في المعاملات المالية، وبيان المقاصد الشرعية لتطبيقاته والإطار الشرعي الحاكم لها.. ويؤكد مدير مركز صالح للاقتصاد الإسلامي، أن هذه المحاضرات تأتي استجابة للتحديات الكبيرة التي فرضتها تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الخوارزمية على المنظومة المالية العالمية، سعياً لتوطين التقنية داخل مؤسسات الاقتصاد الإسلامي، لضمان استغلال قدرات هذا التطور في تحسين الكفاءة التشغيلية، مع الحفاظ على المقاصد الشرعية والقيم الأخلاقية التي يقوم عليها التمويل الإسلامي، حيث تمزج بين الجانب الفقهي التأصيلي والتقني التطبيقي.

ومن المقرر أن تتميز المحاضرات بتنوع محاورها، لتغطي عدة ملفات حيوية، أبرزها: التدريبات العملية والمحاكاة من خلال ورش عمل وتدريبات عملية تهدف إلى إكساب المشاركين مهارات التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي وكيفية توظيفها في تحليل البيانات الاقتصادية الضخمة واستنباط المؤشرات المالية، إضافة إلى تصميم النماذج المعرفية والبحث العلمي التي تساعد الباحثين في الاقتصاد الإسلامي على استرجاع المعلومات الفقهية وتحليل النوازل المالية المعاصرة بسرعة ودقة غير مسبوقة وكذا مناقشة أثر هذه التقنيات في هيكلة المعاملات المالية، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحقيق الاستقرار المالي والحد من الغرر والجهالة عبر الشفافية المعلوماتية.

مشددا على أن المركز يولي أهمية قصوى للإطار الشرعي الحاكم، حيث ستخصص محاضرات كاملة لبيان المقاصد الشرعية من دمج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، علاوة على مناقشة قضايا المسئولية القانونية والأخلاقية الناتجة عن القرارات التي تتخذها الآلات، وذلك لضمان عدم خروج هذه التقنيات عن مسار العدالة والتكافل الاجتماعي.

منوها إلى أنه دعماً للانتشار المعرفي وتجاوزاً للحدود الجغرافية، ستقدم المحاضرات بنظام "التعليم الهجين"، حيث يتاح للراغبين الحضور المباشر في مقر المركز، أو المتابعة عن بُعد، عبر منصات البث الرقمي، مما يتيح للباحثين والمصرفيين المشاركة والاستفادة لإثقال وتخريج كوادر متخصصة لسوق العمل، مُرحباً بجميع الراغبين في الانضمام لهذه السلسلة التدريبية والتسجيل بالدورة بمركز صالح كامل.

د. السيد الصيفي: لدينا منتجات إسلامية «خجولة» لا تناسب تطلعات العملاء

من جانبه يقول د. السيد الصيفي، أستاذ التمويل والاستثمار، والخبير في التمويل الإسلامي، إننا أمام لحظة تاريخية؛ بعد أن بلغت أصول الصناعة 4.93 تريليون دولار عام 2023. ومن المتوقع وصولها لـ 7.5 تريليون بحلول 2028. كما قفزت التكنولوجيا المالية الإسلامية لتتجاوز 222 مليار دولار عام 2025 بمعدل نمو 13.8%.  مبينا أنه علي الرغم من استحواذ منطقتنا على 40.69% من هذه السوق، إلا أننا نعاني من "ثلاثية معطلة وهي": غياب التنسيق، ونقص الكوادر، وتردد المشرع؛ مشيرا إلي أن شركة "Mal" الناشئة بــ 230 مليون دولار في يناير 2026  قد أطلقت بنك رقمي بالذكاء الاصطناعي، إلا أننا لانزال  في مرحلة الدراسة.

اقرأ أيضا|الذكاء الاصطناعي والمعرفة الإسلامية

وحول هذه التطورات الرقمية المتسارعة، والضوابط الواجب اتباعها في المعاملات المالية والمصرفية، والضوابط الشرعية للخدمات والتطبيقات الرقمية الحديثة، يؤكد د. الصيفي أن التقنية المحايدة، والضابط الشرعي يجب أن يُدمجا في بنية التطبيق منذ البداية (بحسب تقرير مجلس الخدمات المالية الإسلامية IFSB لعام 2025) الذي أكد أن ، العقود الذكية هي "أدوات تنفيذ" وليست عقودا فقهية بذاتها. التحدي الحالي يكمن في تأخر هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) حتى مايو 2026 في تعديل المعيار (62) الخاص بالصكوك، مما يسبب حالة ترقب بالسوق. مشيرا إلي أن  الضبط الشرعي هنا ليس عائقا بل هو ضمانة للابتكار.

شمول مالي

وفي معرض إجابته على السؤال:"ما مدى مساهمة هذه الأدوات الحديثة في تحقيق التنمية المستدامة ودعم الاقتصاد الآمن في العالم الإسلامي وتحقيق الشمول المالي والنمو المستهدف وزيادة الدخل؟.. ينوه د. الصيفي إلي أن الأرقام تؤكد الواقع؛ فقد نمت الصكوك الخضراء بالشرق الأوسط بنسبة 44% لتصل ل 11.4 مليار دولار عام 2025. ومنصات مثل (Wahed وZoya) تعزز الشمول المالي. وفي مصر، وصلنا لـ 57.9 مليون محفظة دفع رقمي، وهي بنية تحتية ضخمة تنتظر منتجات إسلامية رقمية تلبي احتياجات هذا الجمهور الضخم.

مؤكدا أن ذلك يمكن أن يسهم في ابتكار منتجات إسلامية جديدة في ظل وجود منتجات مالية إسلامية خجولة نظرا لاعتبارات شرعية مقارنة بالبنوك التقليدية حتى اليوم لا تناسب تطلعات العملاء وتحديات التنوع والابتكار، والمحدودية الحالية هي "إخفاق هندسي" لا شرعي.

ويشير إلي أن تقنية ترميز الأصول (Tokenization) تستطيع أن تتيح اليوم الاستثمار بمبالغ تبدأ من 100 دولار بما يطابق هيكل المشاركة بدقة. كما أن الذكاء الاصطناعي ينهي عصر النماذج الجامدة بصياغة عقود مخصصة فورا، فضلا عن الأنظمة التقنية (مثل Temenos) الجاهزة والمعتمدة منذ سنوات، لذا فالعذر الشرعي انتهى وما ينقصنا هو "الإرادة".

وتابع: د. الصيفي قائلا:" للأسف نحن لا نملك الكوادر البشرية المتخصصة لمواكبة هذا التطور، حيث أنه في مصر لم يتجاوز عدد المتدربين على الذكاء الاصطناعي 5,000 شخص حتى مارس 2025.  في حين أننا نحتاج لـ "الكادر المزدوج" الذي يجمع بين التأهيل الشرعي (CSAA/CIPA) والكفاءة التقنية.

ورغم رصد 13 مليار جنيه للقطاع الرقمي في خطة 2025/2026، إلا أنها تفتقر لبرنامج بناء كوادر التمويل الإسلامي، مما يتطلب تنسيقا فوريا بين التعليم العالي والأزهر".

الجنيه الرقمي

ويؤكد د. الصيفي أن السوق العالمية ضخت 3.5 تريليون دولار و16 ألف عملة في مصر، إلا أن الاعتراف بالعملات اللامركزية غير وارد حالياً لأسباب أمنية، لكن المسار الحقيقي هو "الجنيه الرقمي CBDC"؛ حيث أطلق البنك المركزي منصة "هوية" بأواخر 2025 برأسمال 275 مليون جنيه، مواكبة لتوجه 91% من البنوك المركزية عالمياً.. كما نوه د. الصيفي إلى أن هذه التقنيات الحديثة ستسهم في رواج إصدار الصكوك الإسلامية لدينا والتي لم تأخذ مساحتها وفرصتها اللائقة حتى اليوم، فترميز الصكوك (Tokenization) يعالج أزمة ارتفاع الحد الأدنى للاستثمار وضعف السيولة الثانوية.

كما أن المنصات الرقمية ستقلل تكاليف الإصدار، مما يشجع القطاع الخاص ويفتح الباب أمام الصكوك الخضراء السيادية لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة.
وقد أصدرت مصر 2.5 مليار دولار صكوكا عام 2025، مما وضعنا ك "مصدر ناشئ" بتصنيف المؤسسات الدولية في 2026. عالمياً، تجاوزت الإصدارات 300 مليار دولار. الملاحظة هنا هي غياب القطاع الخاص المصري وغياب "الصكوك الخضراء السيادية" عن الأجندة رغم أنها الأكثر جذبا دوليا.

وحول تحديات البنية التحتية اللازمة لمواكبة هذه التطورات المتلاحقة مثل سرعة الإنترنت والشبكات اللازمة والأمن السيبراني؟ يوضح د. الصيفي  أن الإنجازات ملموسة؛ بعد أن أطلقنا شبكة الجيل الخامس 5G باستثمارات 2.7 مليار دولار، وقفزت سرعة الإنترنت لـ 85.64 ميجابت (الأولى أفريقيا. لكن التحدي يكمن في فجوة جغرافية (24.5 مليون ريفي خارج الشبكة) وقضية الأمن السيبراني التي تظل الحصن الضروري لحماية الثقة في المنظومة المالية".

فرصة تاريخية

واختتم د. الصيفي تصريحاته للواء الإسلامي قائلا: أود التأكيد على مسألة مهمة وأن تبقى راسخة في ذهن من يقرأ هذا التحقيق بقوله: إن مصر تقف الآن أمام فرصة تاريخية في ملف الاقتصاد الإسلامي الرقمي لن تتكرر بهذا الشكل، فهي تملك أكبر تجمع سكاني مسلم عربي وموقعا جيوسياسياً استثنائياً وبنية تحتية رقمية آخذة في النضج ومؤسسة دينية عريقة كالأزهر قادرة على إضفاء المشروعية الشرعية على كل مستجدات التمويل الإسلامي الرقمي، والمطلوب بالتحديد ثلاثة قرارات لا تقبل التأجيل؛ أولها تشريع واضح عاجل ينظم الأصول الرقمية والصكوك المرمزة تحت مظلة هيئة الرقابة المالية بالتنسيق مع البنك المركزي والأزهر في مرجعية شرعية رقمية واحدة موحدة، وثانيها برامج دراسات عليا مشتركة بين الأزهر وكليات الحاسبات والمعلومات تبني الكادرالمزدوج الذي تحدثنا عنه، وثالثها إدراج الصكوك الخضراء السيادية في خطة الإصدار 2026 لأن السوق الدولية متعطشة لها والتوقيت مثالي، وأختم بما قلته دائما لطلابي في قاعات الدرس: الفرص لا تنتظر من يحكم التفكير فيها بل تكافئ من يحسن التحرك نحوها.

 

ترشيحاتنا