أسرار اليسر والكهرمان - رحلة في عالم السبح الفاخرة بخان الخليلي

من البلاستيك إلى الكهرمان - أبو مروان يكشف أسرار وتفاوت أسعار سوق السبح

صورة توضيحية
صورة توضيحية

بين الأزقة الضيقة داخل خان الخليلي، حيث عبق التاريخ ونسائم الزمن الجميل واختلاط الحاضر بالماضي التقينا مع بالحاج حمدي شعبان أحد أقدم باعة السبح، والذي ورث المهنة عن أبيه واعتاد أن يرى في كل سبحة حكاية مختلفة، لم يبدأ حديثه عن الأسعار أو الخامات، بل قال ببساطة إن السبحة في مصر ليست مجرد أداة للذكر، بل شيء يعكس شخصية صاحبها، وكأن كل يد تختار ما يشبهها دون أن تدري.

اقرأ أيضًا: تسبيح الكون

يشرح الحاج  حمدي شعبان أن السوق ينقسم عمليًا إلى مستويات واضحة، تبدأ بالسبح الشعبية التي تملأ الشارع المصري. هذه تُصنع من البلاستيك أو البكلايت أو الزجاج، وأحيانًا من أخشاب خفيفة، وهي الأكثر انتشارًا بسبب بساطتها وسعرها الذي يتراوح غالبًا بين 10 و60 جنيهًا. يصفها بأنها «سبحة الاستخدام اليومى»، فهي موجودة مع الطلاب والعمال وكبار السن في المقاهي، خاصة سبحة الثلاثة والثلاثين حبة التي أصبحت جزءًا من الروتين اليومي للكثيرين.

هذه السبح لا تحمل قيمة مادية كبيرة، لكنها تمثل الجانب العملي والبسيط من الثقافة الشعبية.. ومع التحرك خطوة داخل السوق، تبدأ فئة أخرى في الظهور، وهي السبح المتوسطة التي تعكس ذوقًا أكثر هدوءًا.

هنا نجد خامات مثل خشب الصندل والكوك، وأحيانًا عظم الجمل، وتكون الحبات مصقولة بعناية أكبر، وبعضها يحمل رائحة مميزة مع كثرة الاستخدام، تتراوح أسعار هذه الفئة بين 100 و500 جنيه تقريبًا، ويقبل عليها من يبحث عن سبحة أنيقة دون تكلفة كبيرة. 

يشير إلى أن هذه الفئة تحظى باهتمام بعض المشايخ والموظفين، لأنها تجمع بين الشكل الجيد والعملية، فلا هي مبالغ في ثمنها ولا هي بسيطة إلى حد لافت.

لكن المشهد يتغير تمامًا عندما يفتح درجًا صغيرًا بجواره، لتظهر السبح الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، وهنا يتحول الحديث إلى عالم آخر. يذكر أسماء مثل العقيق والفيروز والمرجان واليسر، لكن يظل الكهرمان هو الأكثر تميزًا في نظره، إذ يصفه بأنه حجر حيّ يتغير مع الزمن، ويزداد جماله كلما استُخدم أكثر. 

وأوضح محمد سعيد عبد الحي، الشهير بـ«أبو مروان»، تاجر وخبير الأحجار الكريمة، أن السبح في مصر تتنوع بشكل كبير، بداية من السبح الخشبية وحتى المصنوعة من أغلى أنواع الأحجار الكريمة، مشيرًا إلى وجود أنواع متعددة مثل العقيق، والفيروز، والكهرمان، واليسر، والفاتوران أو «المستكة الألماني»، لافتًا إلى أن بعض السبح قد يصل سعرها إلى 100 ألف جنيه.

وأضاف أن أكثر أنواع السبح إقبالًا بين الزبائن هي اليسر والعقيق والفيروز، نظرًا لجمالها وتوافرها، موضحًا أن التفرقة بين السبحة الأصلية والمقلدة تحتاج إلى خبرة في الأحجار، أو الاستعانة بشخص موثوق لديه دراية كافية.

وأشار إلى أن هناك عدة عوامل تحدد سعر السبحة، أبرزها عمرها، ونوع الحجر المستخدم، وكذلك الصانع، مؤكدًا أن السبح القديمة غالبًا ما تكون الأعلى قيمة، خاصة إذا كانت مصنوعة من خامات مثل الفاتوران أو الكهرمان أو اليسر أو المرجان أو الفيروز أو العقيق.

ولفت إلى أن أذواق المستهلكين تغيّرت في الفترة الأخيرة، نتيجة الانفتاح عبر الإنترنت وتبادل المعلومات والثقافات، ما أدى إلى تنوع الاختيارات وزيادة الإقبال على أنواع مختلفة.

كما أشار إلى وجود أنواع مميزة تلقى رواجًا في السوق، مثل العقيق اليمني، والفيروز السيناوي، واليسر المستخرج من البحر الأحمر، إلى جانب المرجان التونسي الذي يُعد من أغلى أنواع الأحجار المستخدمة في صناعة السبح.

وأكد أن لكل نوع من الأحجار اختبارات خاصة يمكن من خلالها التأكد من أصالته، مشددًا على أهمية الخبرة في هذا المجال لتجنب الوقوع في شراء المنتجات المقلدة.

أسعار هذه السبح تبدأ من نحو ألف جنيه وقد تصل إلى عشرات الآلاف، خاصة إذا كانت من كهرمان قديم أو من خامة نادرة. في هذه المرحلة، لا يشتري الزبون سبحة فقط، بل يقتني قطعة لها قيمة تاريخية وجمالية، وربما استثمارية أيضًا، وعند الحديث عن سر اختلاف الأسعار، يؤكد أبومروان أن الأمر لا يتعلق بالخامة وحدها، بل يدخل فيه حجم الحبات ودقة التصنيع والعمل اليدوي، إضافة إلى ندرة المادة الخام وعمرها، بعض الزبائن يمتلكون خبرة تجعلهم يميزون الحجر الطبيعي من المقلد بسهولة، بينما يعتمد آخرون على ثقة التاجر وسمعته، ويشير إلى أن الكهرمان تحديدًا يرتفع سعره كلما كان أقدم، لأنه يكتسب لونًا وملمسًا مميزاً مع مرور الوقت.

أما عن تفضيلات الزبائن، فيرى أن لكل فئة ذوقها الخاص. عامة الناس يميلون إلى السبح البسيطة الرخيصة التي تؤدي الغرض دون تعقيد، بينما يفضل المشايخ عادة العقيق أو الكهرمان لما يحمله من رمزية وشعور بالوقار، وغالبًا تكون الحبات متوسطة الحجم لتناسب الاستخدام المستمر.

أما السائحون العرب، خاصة القادمون من الخليج، فهم الأكثر إقبالًا على السبح الفاخرة، ويبحثون تحديدًا عن الكهرمان واليسر، بل ويفضل بعضهم الحبات الكبيرة والقطع النادرة كنوع من التميز أو الوجاهة الاجتماعية.

وفي نهاية جولتنا، يتضح لنا أن سوق السبح في مصر ليس مجرد تجارة بسيطة، بل عالم متكامل يعكس تنوع المجتمع نفسه، من البساطة اليومية إلى الفخامة النادرة، وبين سبحة بلاستيكية تُستخدم في زحام الحياة، وأخرى من كهرمان تُحفظ كقطعة ثمينة، تبقى السبحة حاضرة في يد المصري، لا كأداة للذكر فقط، بل كامتداد صامت لذوقه وهويته، وكأن كل سبحة بالفعل تحمل شيئًا من روح صاحبها قبل أن تحمل عدد حباتها.

 

ترشيحاتنا