30 يونيو انتصار لإرادة شعب قرر استرداد كرامته

صورة توضيحية
صورة توضيحية

تعد ذكرى ثورة 30 يونيو لحظة فارقة فى تاريخ الأمة المصرية، حين قررت الإرادة الشعبية أن تنتصر على الخوف، وعلى الاستغلال، وعلى محاولات اختطاف الدولة.

لقد جاءت هذه الثورة كفعل واعٍ، وناضج، وراسخ الجذور فى وعي المصريين، بعد أن عانوا من استبداد الجماعة الإرهابية، ومحاولتهم البائسة فى فرض رؤية أحادية باسم الدين، على مجتمع متنوع، عريق، وصاحب حضارة متجذرة فى التاريخ.. لم تكن ثورة 30 يونيو بالنسبة لملايين المصريين مجرد احتجاج على حكومة أو رئيس، بل كانت رفضًا لمشروع سياسي كامل رأوا أنه فشل فى إدارة الدولة، وأثار مخاوف تتعلق بهوية المؤسسات الوطنية ومستقبلها. 

وهكذا تحول عام واحد فى الحكم إلى اختبار حقيقي كشف للجمهور نقاط الضعف والأزمات التي أحاطت بتجربة الإخوان، وانتهى بخروج ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين بإنهاء تلك المرحلة وبدء مسار سياسي جديد.

لقد علمتنا هذه الثورة أن الأوطان لا تُهدى، بل تُحمى، وأن الإرادة الجماعية حين تتجلى لا يوقفها خطاب زائف، ولا يخيفها وعيد، ولا يضللها إعلام مأجور، وعلمتنا أن القائد الحقيقي هو من يُعبّر عن الناس، لا من يتاجر بمشاعرهم.

د. رمضان صالحين: مواجهة «التطرف»واجب مقدس لحماية الأوطان

يقول د. رمضان صالحين أحمد، الأستاذ بكلية التربية جامعة الأزهر، إن الوحدة الوطنية تعد من أهم ركائز استقرار الدول والمجتمعات، فمن خلالها تواجه الأوطان التحديات الداخلية والخارجية، لا سيما في ظل الأزمات المعاصرة التي نراها بأعيننا في عالم يموج بالصراعات والنزاعات السياسية، والاقتصادية، والفكرية.

ويرى د. صالحين أن دور المؤسسات الدينية يتعاظم كالمساجد والكنائس في ترسيخ قيم ومبادئ الوحدة الوطنية، ونشر قيم التعاون، والتسامح، والمودة، والإخاء، والعيش المشترك؛ ولعل هذا من أسمى أهداف المؤسسات الدينية بالغة الأهمية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

ويتابع د. صالحين: لا ينكر متأمل الدور العظيم الذي تقوم به هذه المؤسسات في ترسيخ القيم الوطنية، وتعزيز وسائل الانتماء للوطن والقيادة السياسية، وإبراز الجهود المخلصة والمساعي الحثيثة التي تقوم بها الدولة للوصول بالمواطن إلى حياة كريمة في جميع المجالات، ولا يخفى على كل ذي عقل سليم وفكر سديد الجهود الجبارة التي تبذلها الدولة في المشروعات القومية المتنوعة التي تحقق الخير الوفير لجميع طبقات الشعب.

ويؤكد أن مواجهة التطرف الفكري هدف أساسي للمؤسسات الدينية بالدولة، وهي قادرة بإذن الله تعالى على تفكيك الأفكار المتطرفة التي تهدد الوحدة الوطنية عبر خطاب ديني معتدل ينطلق من الكتاب والسنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

اقرأ أيضا| المؤسسات الدينية: «30 يونيو» لحظة وعي واصطفاف وطني لاستعادة الدولة

ويوضح أن ذكري ثورة 30 يونيو جاءت متوافقة مع ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهما نأخذ الدروس والعبر؛ حيث ركز النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول التخريب أو النيل منه. كما نأخذ منهما أهمية العمل وإخلاص النية، وترك الدعة والكسل واللامبالاة، فجميع الديانات تحث على العمل وإتقانه؛ إذ يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه».

اللواء سمير فرج: خلصت الوطن من محاولات أخونة مفاصل الدولة

ومن جانبه، يؤكد اللواء سمير فرج، المفكر الاستراتيجي، أن ثورة 30 يونيو هي «طوق النجاة» والعبور الحقيقي بمصر من نفق الظلام إلى الجمهورية الجديدة، مصنفًا إياها كواحدة من أعظم وأشرف الثورات الشعبية في تاريخ مصر الحديث؛ نظرًا لخطورة المرحلة السياسية والأمنية التي عاصرتها البلاد؛ إذ عانت مصر في الفترة التي سبقت الثورة من محاولات «أخونة» مفاصل الدولة ومؤسساتها، وتهميش الكفاءات الوطنية لصالح الولاء التنظيمي.

اقرأ أيضا:الجمهورية الجديدة تُمكّن الشباب وتصنع جيلًا رقميًا

ويصف اللواء فرج تلك الحقبة بأنها كانت نفقًا مظلمًا هدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر، وكاد يودي بالنسيج المجتمعي والوحدة الوطنية عبر اذكاء الفتن والانقسامات، لولا حكمة الرئيس عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) وحنكته، حين اتخذ أعظم وأخطر قرار في تاريخ مصر الحديث بالانحياز التام لملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع والميادين، وذلك في بيان 3 يوليو التاريخي، الذي أنقذ الهوية المصرية، وحمى مؤسسات الدولة الوطنية من التفكك وتغلغل جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدًا أن التاريخ سينصف هذا القرار الشجاع كخطوة حاسمة لتخليص البلاد من حكم المرشد.

ويربط اللواء فرج بين نجاح الثورة والقفزة الهائلة في تسليح وتدريب الجيش المصري، عقب ثورة 30 يونيو، حتى أصبح قوة عظمى في إفريقيا والثاني في الشرق الأوسط.

تفويض شعبي

ويؤكد اللواء فرج أن الثورة منحت الشرعية الكاملة للجيش والشرطة لخوض «معركة الشرف» وتطهير سيناء وأطراف مصر من بؤر الإرهاب الأسود، وبث الأمن والأمان مجددًا في ربوع البلاد.

ويرى أن الاستقرار الأمني المسترد بعد 30 يونيو كان الركيزة الأساسية لتشييد المشروعات القومية والبنية التحتية للجمهورية الجديدة، مشيرًا إلى أن الفلسفة الاستراتيجية القائلة بأنه «لا تنمية بدون أمن» تحققت في ذلك الحدث المهم؛ فلو لم تنجح ثورة 30 يونيو في استعادة الاستقرار، لما استطاعت الدولة البدء في تشييد المشروعات القومية العملاقة والعبور نحو المستقبل.

وكما يرى" اللواء فرج " أن البنية التحتية الحالية، وشبكات الطرق، والمدن الجديدة، وتطوير قناة السويس، هي النتاج الطبيعي والشرعي للاستقرار السياسي والأمني الذي أفرزته الثورة، واصفًا إياها بحجر الزاوية في بناء «الجمهورية الجديدة».

اللواء أحمد كامل: أفشلت مخطط إسقاط مصر وتقسيمها لدويلات

ويؤكد اللواء أحمد كامل، "رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق"، والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن مصر قوية بشعبها الأبي الأصيل الواعي، وتمسكه ببلده ووقوفه خلف قيادته السياسية والأمنية، وجيشها القوي الرشيد الذي يمثل درع الوطن وسيفه المتطور الحديث؛ مؤكدًا أن مصر هي واحة الأمن والاستقرار في منطقة يكثر فيها الحروب والأزمات وعدم الاستقرار.

وتابع: «نحن نحتفل بمرور 13 عامًا على ثورة 30 يونيو 2013، ونقدم التحية لأبطال ورجال وجيل 30 يونيو من أحد مقاتلي حرب أكتوبر 1973، الذين حملوا مشاعل النور والأمل للأجيال القادمة ضد الجماعة الإرهابية التي كانت تخطط لحكم مصر لمدة 500 عام مقبلة، ونجحوا في إحباط المخطط الصهيوني العالمي لإسقاط مصر وتقسيمها لخمس دول».

ويؤكد اللواء كامل أن "الدولة المصرية "قامت بجهود جبارة داخليًا وخارجيًا لاستعادة دورها، بتعاون وتأييد عربي من دول شقيقة، خاصة المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، في ظل سياسات أمريكية وأوروبية وأفريقية غير مؤيدة للثورة في بدايتها وضد أهدافها والتحول الشعبي.

ويردف أنه عقب تجميد الاتحاد الأفريقي لعضوية مصر، إلا أن الدبلوماسية المصرية قد نجحت في إعادة الاعتراف الكامل بها، مما فتح الباب أمام عودة مصر القوية لدورها الريادي داخل القارة في يوليو 2014، وتتويجها بعضوية مجلس الأمن الدولي عامي 2017 و2018، وعضوية مجلس السلم والأمن الأفريقي، فضلًا عن ترؤسها لدورة الاتحاد الأفريقي عام 2019 للبناء والعمل المشترك والدفاع عن القضايا الأفريقية، وقد تزامن ذلك مع الانفتاح المصري للتعاون مع دول القارة في المجالات الاقتصادية، والعلمية، والصحية، والمائية، والإنشائية (مثل بناء السدود في تنزانيا)، ومحاربة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء عبر إنشاء مركز متخصص بالقاهرة.

ويؤكد "اللواء كامل " أن استقلالية القرار المصري قد ظهر جليًا في موقفها من القضية الفلسطينية، وبخاصة أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة، ومحاولات التهجير القسري أو الطوعي وتصفية القضية؛ حيث تجسد الرفض المصري القاطع لخطط التهجير، وتم تقديم خطة بديلة لإعادة الإعمار دون تهجير السكان وافق عليها الرئيس الأمريكي، كما لعبت مصر دور الوسيط الفاعل للوصول إلى تفاهمات وقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين بالتعاون مع المنظمات الدولية، والتوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة طبقًا للمبادرة المطروحة، وتوقيع الاتفاق في مدينة شرم الشيخ بحضور قادة العالم، وعقبه قرار مجلس الأمن رقم 3028 لتشكيل قوة حفظ الاستقرار في غزة، وتؤكد مصر دائمًا تأييدها الكامل لحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

اقرأ أيضا: توافق فلسطيني خلال مباحثات القاهرة لإنجاح جهود الوساطة

ويتابع: أما عربيًا، فتقوم سياسة مصر على دعم الأشقاء وحماية أمنهم القومي، وتأييد الشرعية الدستورية، وحصر السلاح في يد الدولة المركزية وجيشها الوطني فقط؛ حيث تقف مصر ضد الاعتداءات الإسرائيلية واحتلالها للأراضي العربية في سوريا ولبنان واعتداءاتها على العراق واليمن، مؤكدًا أنه لتحقيق سلام شامل يجب انسحاب إسرائيل إلى حدود يونيو 1967، فضلًا عن دعمها الأشقاء العرب ضد الاعتداءات الإيرانية، ونجاحها كوسيط مع باكستان للوصول إلى اتفاق مبادئ لوقف القتال لمدة 60 يومًا وفتح مضيق هرمز للملاحة، مما انعكس إيجابيًا على الاقتصاد العالمي.

وعلى الساحة الدولية، مشيرًا إلى أن كل ذلك يؤكد عظمة الدور المصري ودورها الإقليمي المهم الذي بات جليًا في مشاركتها بفاعلية في تكتلات كبرى مثل مجموعة البريكس، ومجموعة العشرين، والشراكات الاستراتيجية مع أمريكا، وروسيا، والصين، والهند، وباكستان، واليابان، وتركيا. وفي الملفين السوداني والليبي، حيث تدعو مصر دومًا إلى تغليب لغة الحوار والتفاوض كطريق وحيد للسلام، مع التمسك الثابت بالحفاظ على أمنها المائي بالتفاوض، وتأمين الملاحة في باب المندب والقرن الإفريقي لارتباطهما العضوي بالأمن القومي المصري.

ويؤكد "اللواء كامل " أن مصر حققت قفزات واسعة لتطوير جميع أفرع القوات المسلحة بناءً على قرار سياسي وعسكري استراتيجي بتنويع مصادر السلاح، والانفتاح على دول العالم شرقًا وغربًا والحصول على أحدث الأنظمة والمعدات العسكرية المتقدمة تكنولوجيًا، مما مكنها من حماية ركائز الأمن القومي واستقلالية القرار في منطقة تعج بالاضطرابات والفوضى الأمنية، والحروب التي شملت غزة، ولبنان، وسوريا، واليمن، والمواجهات الإقليمية التي رفعت الأعباء الأمنية والاقتصادية، خاصة مع تأثر حركة المرور في مضيق باب المندب وغلق مضيق هرمز لمرور السفن. مبينًا أن القوات المسلحة تعتمد في تطوير أنظمتها على خطط تسليح متوسطة المدى (10 سنوات) وتحت رؤية استراتيجية ممتدة حتى عام 2050 عبر ثلاث مراحل رئيسية تشمل: تدبير الاحتياجات التكنولوجية من الخارج، والتصنيع الحربي المحلي عبر توطين صناعة السلاح ونقل التكنولوجيا، فضلًا عن الإنتاج المشترك لضمان ملاحقة حروب المستقبل، والمحافظة على الردع والتفاوض من موقع القوة والتفوق، وفك طوق الإخوان واستعادة الهوية المؤسسية للدولة.

د. هبة البشبيشي: ثورة تصحيح مسار وعهد جديد

ومن جانبها، تصف د. هبة البشبيشي، "أستاذ العلوم السياسية وخبيرة الشئون الإفريقية"، ثورة 30 يونيو بالحراك الشعبي الذي فك الطوق الذي تم ربطه حول عنق المصريين من قبل جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدة أنها ثورة جاءت لمواجهة غياب مفهوم الدولة، ولتكون علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث.

وترى د. هبة أن مصر بتلك الثورة استعادت دورها الريادي، كما استعادت هيبة الدولة المصرية، ودورها القيادي داخل القارة الإفريقية وعلى الساحة الدولية، مؤكدة أنها استطاعت أيضًا أن تصحح المسار، وتنقذ «الدولة الوطنية» من محاولات التهميش، وغياب الهوية المؤسسية، عبر إفشال مخططات الجماعة الإرهابية لتهميش أجهزة الدولة الرسمية والسيطرة عليها بالولاء التنظيمي.

اقرأ أيضا:رئيس جامعة بنها يهنئ الرئيس السيسي بذكرى 30 يونيو

وتؤكد "البشبيشي " أن مواقف القيادة السياسية المصرية عقب الثورة أعادت مصر إلى عصور قوتها التاريخية (مثل عصر جمال عبد الناصر) في تبني قضايا القارة السمراء، ومكافحة الإرهاب، ودعم التنمية المستدامة للأشقاء الأفارقة، معتبرة أن تلك الثورة تعد نموذجًا للتلاحم بين حراك شعبي مدعوم من المؤسسة العسكرية لتصحيح المسار السياسي، والحفاظ على تماسك الوطن وحمايته من الانزلاق نحو الفوضى أو الانقسام.

د. أحمد زكي: أحدثت تحولات إيجابية كبرى

ويؤكد د. أحمد زكي، "أستاذ مجالات الخدمة الاجتماعية بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة" ، أن ثورة 30 يونيو تعد أحد أهم التحولات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، التي انعكست آثارها الإيجابية على المواطن المصري. وعندما نسلط الضوء على المنظور الاجتماعي، يتضح بالشواهد والأدلة أنها أسهمت في تحقيق عدد من النتائج البارزة، التي منها تعزيز الاستقرار المجتمعي؛ حيث ركزت الدولة على استعادة الشعور بالأمن لدى المواطن وتوفير بيئة ملائمة للحياة اليومية الداعمة للعمل والإنتاج.

إقرأ أيضا:د. مايا مرسي: ما تحقق في الحماية الاجتماعية قفزة غير مسبوقة في ظل قيادة السيسي

ويضيف د. "زكي " أن التوسع في مظلة الحماية الاجتماعية جاء في إطار حرص الدولة على زيادة الموازنة لتقديم الدعم والمساندة للفئات الأكثر احتياجًا، مثل الأسر الأولى بالرعاية، وكبار السن، وذوي الهمم، فضلًا عن تحسين مستوى الخدمات الأساسية، كالتعليم، والصحة، والإسكان، والمرافق العامة، وتنمية الريف المصري عبر المبادرات الرئاسية، بالإضافة إلى تمكين المرأة والشباب، من خلال زيادة مشاركة المرأة في الحياة العامة وتولي المناصب القيادية وصنع القرار، ودعم الشباب عبر توفير فرص العمل واستحداث برامج تدريبية تؤهلهم لسوق العمل،وتعزيز قيم المواطنة والانتماء؛ حيث تم نشر ثقافة التعايش والوحدة الوطنية وزيادة الوعي بمفهوم الأمن القومي الشامل، ومحاربة الشائعات والمعلومات المضللة.

 

ترشيحاتنا