أقبل صاحبي بخطواته الوئيدة مع ابتسامته المعهودة، وبادرني قائلًا: حدثني عما لا أعرفه عن هجرة رسولنا الكريم؟ صليت على خاتم المرسلين، وبدأت بقولي: يا صديقي، الهجرة بمعناها الحقيقي هي بداية إعلان لدولة الإسلام، فالرسول هاجر من مكة المشرك أهلها بعد اضطهاد وأذى استمر ثلاثة عشر عامًا منذ أن جهر الرسول بكلمة التوحيد، هاجر الرسول منفذًا ومطيعًا وملبيًا لأمر الله لنشر الدعوة وتعميمها داخل وخارج جزيرة العرب، ليصبح الإسلام هو دينًا لأهل الأرض جميعًا، أمرٌ بترتيب إلهي وحكمة ربانية لكي ينجو محمد رسول الإنسانية من مكائد وبطش مشركي مكة؛ لأنهم لو تمكنوا منه حيًا لماتت الدعوة، لكن الله قضى على مكرهم، يقول جل شأنه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
قال صاحبي: وماذا بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة، وكيف كان التعايش بين أهل المدينة والمهاجرين؟، أجبته فى وضوح: كان أهل يثرب (المدينة حاليًا) أكثر الناس ودًا وحبًا للرسول، فآمنوا برسالته، وكانوا خير سند للمهاجرين، وضربوا أروع الأمثال لمعاني الأخوة الإنسانية والشهامة وكرم العرب، لقد ضرب أهل المدينة أعظم صور للتراحم والتضحية من أجل المهاجرين.
قال صاحبي: زدني يا صاحبي إيضاحًا، هناك تضحيات كثيرة قدمها أهل المدينة، أو الأنصار كما عُرفوا بعد ذلك؛ لأنهم بالفعل كانوا خير سند، فقد أشركوا المهاجرين المعدمين الذين تركوا أموالهم وبيوتهم وذهبوا مع الرسول الكريم، ولا يملكون من متاع الدنيا سوى قلوبهم التي مُلئت بكلمة التوحيد، لقد وصل الأمر بالأنصار أنهم تآخوا مع المهاجرين بأن شاركوهم فى تجارتهم وأموالهم، وتقاسموا معهم رأس مالهم ليتاجروا ويشتروا ويبيعوا، بل زاد تآخيهم بأن من كان من الأنصار متزوجًا من أكثر من امرأة طلق ما زاد عليهم من أزواجهم ليتزوج الرجل المهاجر؛ ليعفوه عن الانزلاق فى الحرام، وغير ذلك من مظاهر التآخي بين المهاجرين والأنصار، وأخيرًا إن الغرض من الهجرة كان إيذانًا بإقامة دولة فتية جاءت بالدين الحق والخاتم، وواجهت ما لم تواجهه أمة من قبل.



