هجرة اليأس - اليقين بالفرج وصناعة الأمل 9

سوزان العباسي
سوزان العباسي

حين تُغلَق الدروب الأرضية وتصل التحديات إلى ذروتها، تأتي أنوار الأسبوع الثاني من المحرم لتكشف لنا عن الجوهر الحقيقي لرحلة جدي المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فلم تكن الهجرة النبوية انتقالًا بين مدينتين، بل كانت ثورة نفسية كبرى ضد الإحباط، وإعادة صياغة كاملة لوعي الأمة فى صناعة الأمل تحت ظلال الشدائد والمحن. 

اقرأ أيضًا: ميلاد وطن - التأسيس النبوي وفلسفة البناء 8

لقد رسم لنا القائد الأعظم خطة العبور الإيماني من جوف الغار؛ ففى اللحظة التي أحاط فيها اليأس المادي بالمشهد، وتلاشت القوى البشرية، أطلقها جدي المصطفى صلى الله عليه وسلم مدويةً تزلزل القلوب: «لا تحزن إن الله معنا»، هذه الكلمة لم تكن مواساة عابرة، بل كانت تشريعًا إلهيًّا يُبطل قوانين المادة، ويثبت أن معية الله هي الحصن المطلق الذي تتهاوى أمامه كافة العقبات العاتية. 

هذا التأسيس النفسي والعمق العقدي الصامد يمثلان المرتكز المعرفى الذي يرسخه ويبينه دائمًا فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إذ يشدد فضيلته فى أطروحاته التجديدية على أن تحصين وجدان الشعوب باليقين، وبث روح التفاؤل والعمل الواعي، هما الدرع الاستراتيجي الأقوى لحماية الأوطان من التآكل الداخلي والانهزام النفسي أمام أمواج المتغيرات العالمية. 

إن «هجرة اليأس» هي قرار وعقد، والمسؤولية الوطنية والدينية الملقاة على عاتقنا فى هذا العام الهجري الجديد تأمرنا بلفظ التراجع والجمود، وتحويل الانتظار إلى حراك تنموي وفكري مستدام؛ ليعود شبابنا سواعدَ للإنتاج وعقولًا لابتكار المعرفة، حمايةً لهويتنا الشامخة وصونًا لسيادة بلادنا الغالية. 

رسالة المشكاة:
إن اليقين ليس انتظارًا سلبيًّا للمعجزات، بل هو اقتحام لظلمات اليأس بأنوار العمل؛ فأقطعوا حبال القنوط بمدد العهد النبوي فى ثاني المحرم، واجعلوا من ثقتكم بالفرج وقودًا لإتقان البناء، لتكونوا درعًا حصينًا لأوطانكم، وتنالوا رفعة الدارين بحق الهدي الشريف.

(من وحي مخطوط كتابي: عقيدتي فى مشكاة حبيب الله صلى الله عليه وسلم

 

ترشيحاتنا