صندوق الأفق!

رئيس تحرير اللواء الإسلامى
رئيس تحرير اللواء الإسلامى

المصادفة قابلة للانبلاج، وقابلة أيضًا للانتكاس؛ والواقع وحده هو الذي يحكم الأمور ويبدأ في صوغها طبق مقتضيات الحال ويكشف الصدق من الكذب؛ ولهذا فليس من قبيل المصادفة أن يحمل اسم "صندوق الأفق" قدرًا يليق به من التفاؤل باتساع الأفق الإنساني الفريد الذي يليق بتحضرنا المزعوم؛ وإن اتفقنا أن الأمور لا تسير بالمسمّيات وحدها؛ وهو صندوق جديد أنشأته الأمم المتحدة على هامش الاتفاق السياسي الدولي لدعم إعادة إعمار فلسطين وإطلاق عملية التعافي الاقتصادي في غزة والضفة الغربية ويُدار بشراكة بين الدولة الفلسطينية والأمم المتحدة، ولا يُعدُّ أحد الصناديق الأممية الدائمة، بل مبادرة تمويلية خاصة لمرحلة الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار؛ كما يُعد أداة تمويلية متعددة الأطراف تهدف إلى تجميع التبرعات والمساهمات الدولية لدعم إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار في القطاعات المتضررة في غزة والضفة.

إقرأ ايضا:دبلوماسية الدعوة إلى الله

في تأويلات اللغة يأتي تعريف الأفق بأنه الحد الفاصل بين ضيق الحصار ورحابة المستقبل، وهو النقطة التي يلتقي فيها المستحيل بالممكن. واليوم، ونحن نرقب ميلاد "صندوق الأفق" لإعادة إعمار فلسطين، لا يليق بنا أن نقرأه كمجرد محفظة مالية أو حصالة دولية لجمع التبرعات؛ بل هو في جوهره إعلانٌ عن ميلاد إرادة دولية بدأت تدرك، متأخرًا، أن الحق الفلسطيني ليس ملفًّا للإغاثة؛ بل هو قضية وجود وبناء.
*
القيمة الحقيقية لهذا الصندوق لا تكمن في أرقام المليارات التي ستُضخ في عروق البنية التحتية المنهكة؛ بل في الفلسفة التي يقوم عليها. لقد سئم الإنسان الفلسطيني من سياسة "المسكنات" والحلول الترقيعية التي كانت تكتفي بترميم ما هدمته آلة الحرب، ليعود الهدم في دورة عبثية لا تنتهي. أما "صندوق الأفق"، فيأتي برؤية مغايرة تمامًا، بحسب المعلومات القليلة المتاحة عنه، رؤية تربط التعافي بالسيادة، وتجعل من إعادة الإعمار جسرًا آمنًا نحو الدولة المستقلة.
الفائدة المباشرة لهذا الصندوق هي كسر حلقة الارتهان للقمة العيش العابرة؛ حيث إن تركيز الصندوق على التعافي المبكر يعني تحويل المواطن الفلسطيني من متلقٍّ للمساعدات إلى شريك في البناء، حينما يوجه الصندوق دعمه للشركات الصغيرة والمتوسطة، فهو لا يمنح مالًا فحسب؛ بل يعيد إحياء الطبقة الوسطى الفلسطينية، وهي العمود الفقري لأي مجتمع يطمح للاستقرار والنمو. "الأفق" محاولة عملية لتوطين الأمل عند شعب مقهور، فقد ثقته في المجتمع الدولي الذي تتحكم به أيادي الكيان الآثمة؛ وهو خطوة تجعل من المصنع المتضرر والورشة المحطمة نواةً لاقتصاد وطني لا يستجدي بقاءه من أحد.
كلنا أمل في المستقبل، وثقة في الإنسانية الغافلة، ورغبة في إصلاح الأخلاق المرتكسة؛ ولعل هذا الصندوق قد جاء ليرسخ حقيقة سياسية كادت تذروها الرياح، وهي وحدة المصير الفلسطيني؛ فمن خلال العمل تحت مظلة السلطة الفلسطينية وبإشراف أممي موحد، يقطع الصندوق الطريق على كل محاولات الفصل الجغرافي أو السياسي بين غزة والضفة؛ إنه يعيد الاعتبار للمؤسسة الوطنية الفلسطينية، ويمنحها الأدوات اللازمة لخدمة شعبها في إطار من الشفافية التي تليق بنضال هذا الشعب. إن الفائدة هنا تتجاوز بناء الحجر إلى بناء الثقة في قدرة الفلسطيني على إدارة شأنه العام بكفاءة ونزاهة أمام العالم أجمع.
*
ربما تكون الفائدة الأهم، والتي طالما نادى بها شرفاء هذا العالم، هي ربط الإعمار باتساع الأفق السياسي؛ فالعالم الذي اجتمع لدعم هذا الصندوق يدرك الآن أن كل بناء لا تحميه مظلة سياسية عادلة هو بناء على الرمال. "صندوق الأفق" هو، في حقيقته، استثمار دولي في الاقتراح الدولي الذي يرفضه الكيان، وهو حل الدولتين؛ إنه يقول بوضوح: إن غزة التي تنفض عنها الغبار اليوم هي جزء أصيل من الدولة العتيدة، وإن الطريق إلى السلام يمرّ عبر تمكين الإنسان الفلسطيني من العيش بكرامة فوق ترابه الوطني.

اقرأ أيضا:رصيد استراتيجي

حين يخصص الصندوق جزءًا أصيلًا من موارده لتمكين المرأة والشباب، فهو يدرك أن الثروة الحقيقية لفلسطين ليست في باطن الأرض، بل في عقول أبنائها؛ كما أن إعادة الإعمار تشمل بناء المدارس والمستشفيات ومراكز التدريب، لتخريج جيل لا يعرف اليأس، جيل مسلح بالعلم والمهارة، وقادر على تحويل مأساة الأمس إلى ملحمة بناء وطني شامل.
إن الشعب الفلسطيني خاصة، والعربي عامة، يقف أمام لحظة فارقة، فإما أن يكون "صندوق الأفق" مجرد محطة أخرى في تاريخ المبادرات الدولية التي تتكسر سريعًا على صخرة الصلف المغرور للكيان المجرم، وإما أن يكون، كما نأمل ونرجو، نقطة الانطلاق الحقيقية نحو فجر جديد؛ نحو استعادة الحلم الممكن بإنشاء دولة قوية متماسكة تتفاعل مع محيطها العربي والإسلامي وتلقى قبولًا دوليًّا واعترافًا مستحقًّا طال انتظاره. 
"الأفق" الذي ننشده وننتظره قريب على اتساعه، فقط يتوقف على جهودنا العربية المخلصة لدعم هذا الشعب الباسل، المناضل عن كيانه ووجوده، وما هذا الصندوق إلا خطوة على طريق طويل، سيبقى فيه الإنسان الفلسطيني هو الصانع الحقيقي للمعجزة، وهو السيد فوق أرضه، والوارث الشرعي لغده المشرق.