قلب وقلم

دبلوماسية الدعوة إلى الله

عبدالهادي عباس رئيس تحرير جريدة اللواء الإسلامي
عبدالهادي عباس رئيس تحرير جريدة اللواء الإسلامي

تحمل ثقافتنا المعرفية ومراجعنا التراثية مئات النماذج المضيئة والمواقف النبيلة لأئمة الدعوة الأولين والصحابة المُطهرين الذين اتخذوا خطوات وأساليب دعوية ترتكن إلى دبلوماسية الرفق واللين لإيصال الدين إلى القلوب بالحسنى والموعظة الحسنة، وهو الأمر الذي أسهم في انتشار الإسلام في ربوع العالم كله في سنوات قليلة.. وفي العصر الحديث يتنازع الناسَ اتجاهان: اتجاه أزهري وسطي يسير على نهج الأولين وأولياء الله الصالحين، وهو الاتجاه الذي يكسب كل يوم مساحات كبيرة من قلوب الناس؛ وهناك الاتجاه السلفي الذي يسعى لتشويه كل خير وتسفيه كل فعل يقوم به الأزهر، لا لشيء إلا ليقول إنه موجود ومؤثر في تفكير الناس.. ولدينا نماذج مكررة في كل عيد؛ إذ يُصرون أن زكاة الفطر لا بد أن تخرج حبوبًا، وأن تكبيرات العيد تكون بالطريقة المختزلة دون الصلاة على رسول الله؛ وكأننا في حرب حامية الوطيس لإثبات الذات.

لنواصل النجاحات الأزهرية التي تحققت طوال الفترة الماضية في مجال الدعوة إلى الله، علينا أن نبدأ أولًا بالتركيز على مواجهة الأفكار الظلامية التي اتخذت من وسائل التواصل الاجتماعي عندنا أداة لنشر أفكارها ومذاهبها التي تقلصت حتى في بيئاتها الأولى التي تبرأت منها وسعت إلى تغييرها، ثم البناء على تاريخنا الدعوي الناصع وانتقاء نماذج فكرية واجهت هذه الأفكار قديمًا وإعادة تقديمها إلى الناس في ثياب عصرية وصورة مرئية تخلب ألباب الشباب وتجذبهم إلى محجّة ديننا البيضاء التي غيرت شكل الخريطة العالمية بإسهاماتها الدينية والتربوية والعمرانية، ولا تزال تؤثر رغم الضغوطات العالمية.

تتألق دبلوماسية الدعوة إلى الله وتتجلى قيمتها المعرفية العالية في مشهد التكريم الرئاسي لنجوم دولة التلاوة والفائزين بالمسابقة العالمية للقرآن الكريم التي أقامتها وزارة الأوقاف؛ كان المشهد مؤثرًا وبليغًا وكاشفًا لحجم الجهد المبذول طوال الأشهر السابقة، وكان التتويج مُبهرًا وعلى قدرٍ كبيرٍ من الجمال والذوق الرفيع، إضافة إلى تكريم رموز إذاعة القرآن الكريم، وإطلاق التطبيق الإلكتروني المميز الذي سيصل بالأصوات المصرية إلى بقاع الدنيا، وهو الإجراء الذي يواكب الاحتفال بالذكرى الثانية والستين لتأسيس هذه الإذاعة الأعرق والأكثر استماعًا في العالمين العربي والإسلامي؛ وهو ما يضعنا أمام تحديات كبيرة لمتابعة هذا النجاح على كل المستويات الدعوية.

ولأن "الدعوة إلى الله" هي أسمى أشكال الدبلوماسية الإنسانية، فهي لا تسعى لفض نزاع حدودي أو إبرام معاهدة تجارية، بل تهدف إلى "تصالح" الإنسان مع فطرته، وبناء جسر من المودة بين المخلوق وخالقه. لكن هذه المهمة الجليلة باتت اليوم في أمسّ الحاجة إلى استحضار فقه "الدبلوماسية" بمعناها العميق؛ أي الحكمة في القول، والبراعة في التوصيل، والسمو في الأخلاق.

***

إذا كان الداعية في جوهره "سفيرًا" فوق العادة، يحمل أوراق اعتماده من وحي السماء، فإن نجاح مهمته مرهون بمدى قدرته على مخاطبة "الآخر" بلغة المحبة لا لغة الاستعلاء. لقد علمنا القرآن الكريم أن أصل هذه الدبلوماسية يقوم على قاعدة ذهبية: {ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ}. والحكمة هنا هي "البروتوكول" الإلهي الذي يمنع الصدام، ويفتح مغاليق القلوب؛ فالدعوة ليست معركة حربية ننتظر فيها هزيمة الخصم، بل هي رحلة إنقاذ نرجو فيها نجاة الجميع.

ودبلوماسية الدعوة تقتضي أن يكون الداعية "جميلا" في لفظه، وهندامه، وتعامله، وهو ما شاهدناه من جماليات كثيرة في احتفالية مصر بليلة القدر ونجوم دولة التلاوة؛ فالمسلم الحقيقي هو من يستحوذ الإعجاب بخلقه قبل أن يطالب الناس بالإيمان بفكره؛ ولقد كان النبي ﷺ أعظم دبلوماسي عرفه التاريخ؛ لم يكسر قلبًا ليربح موقفًا، ولم يعنف جاهلًا ليثبت علمًا؛ فقد كانت ابتسامته هي "المُلحق الثقافي" الذي يمهد الطريق لرسائل التوحيد.

إننا اليوم أمام تحديات كبرى؛ حيث تُختطف الدعوة أحيانًا إلى دهاليز التشدد، أو تُبتذل في مهاوي السطحية؛ ولهذا فإن الحاجة ماسة إلى إدراك فقه الواقع؛ فلا يعقل أن نتحدث بلغة الماضي لجمهور يعيش في المستقبل الرقمي.؛ وإلى أدب الاختلاف، فالدبلوماسي الحق هو من يدير الاختلاف بفروسية، لا بمنطق الإقصاء؛ وإلى قدوة العمل، فالناس يقرأون سلوك الداعية قبل أن يستمعوا خطبته.

"دبلوماسية الدعوة" ليست مجرد مهارات خطابية؛ بل هي حالة من السمو الروحي تجعل من صاحبها "رحمة مهداة" لكل من حوله. فهل نعي أن الكلمة الطيبة هي أقوى سلاح في ترسانة الإقناع؟ وهل ندرك أن الله غني عن عبادة الناس، لكن الناس في فقر مدقع لجمال هذا الدين؟