في منطقةٍ يُحيط بها اليأس الملتهب من كل جانب، ولا تنقشع من فوقها غمامات الحرب والاعتداء، تبقى قيمة الجندي المصري شامخة، زاهية، راقية، تحفظ مكانها اللائق بين جنود العالم كله، وتُصبح ذكرى تحرير الأرض دلالة رمزية على المعدن الصلب للمقاتل المصري وفنائه الأبدي في تراب وطنه وجودًا وعدمًا.
بينما تطل علينا ذكرى الخامس والعشرين من أبريل، لا تكاد الكلمات تفي بجلال التضحية، فالحديث عن "سيناء"، قلب مصر النابض، لا يُختزل في بقعة جغرافية نُزعت من براثن احتلال غاشم؛ بل هو حديث عن الروح المصرية حين تسترد وعيها بذاتها، وعن إرادة وطن تصوغ من المستحيل واقعًا يتردد صداه في آفاق التاريخ.
لقد كانت سيناء، ولا تزال، هي الاختبار الأصعب للمعدن المصري؛ فكان العبور في أكتوبر إثباتًا لكبرياء الذات المصرية، كان عبورًا من الشتات إلى وحدة الهدف؛ وكانت استعادة تلك الأرض المقدسة، التي وَطِئَتْهَا أَقْدَامُ الأَنْبِيَاءِ واحتضنت رمالها دماء الشهداء، استحقاقًا وجوديًّا انتزعه المقاتل المصري بعرقه ودمه؛ ثم أكمله الدبلوماسي المصري بصلابته وحكمته.
واليوم، ونحن نحتفي بهذا النصر، ندرك أن التحرير عملية مستمرة لا تنتهي بمجرد انسحاب آخر جندي محتل، بل التحرير الحقيقي هو أن تتحول تلك الرمال إلى شرايين تنبض بالحياة، وأن تصبح سيناء جسرًا حقيقيا يربط الوادي بالمستقبل من خلال معركة البناء التي تخوضها الدولة فوق تلك الأرض.
إِنَّنَا لَا نُحْيِي ذكرى تاريخية فحسب؛ بل نجدد عهدنا بأن تظل هذه الأرض عصيَّة على كل طامع، وأن تبقى سيناء إلى الأبد هي قلب الوطن النابض بالأمل والحياة والتضحية.
***
أعرف قيمة الأرض وغلاوتها من أيدي الفلاحين المتشققة في قريتي، أعرفها من رائحة الزروع الخضراء التي تغسل أوضار الحياة من قلوبنا؛ أعرف قيمة رجالنا البواسل من حكايات أبي، رحمه الله، عن أصدقائه في الجيش المحفورة وجوههم في أخاديد وجدانه وطوايا ضميره، من عينيه حين تلمعان عندما يستمع إلى صوت الرئيس السادات في خطاباته المتتالية بعد النصر، وفي "الكنيست"، إلى ترديده لجُمله اللازمة ولغته الفخمة الرائقة، فيطلب مني أن أعيد تسجيلاته المرئية على الموبايل؛ بل في ظل أحداث يناير كان يشهد للرئيس مبارك بذكائه الحربي وإدارته لمعركة الطيران التي تفوق فيها على "الفانتوم" الأمريكية الأعتى في العالم؛ ثم إدارته معركة السلام بكفاءة المحارب الاستراتيجي، الذي يعلم موضع قدمه، ومتى يُقدم ومتى يُحجم؛ وظل حتى وفاته يضع صورة الرئيس السيسي بالزيّ العسكري في صدر "المضيفة" بجوار الرئيس السادات.. يبكي كالأطفال عند كل شهيد تناله يد الغدر الآثمة، ويضحك ملء شدقيه فخرًا عند كل مناورة عسكرية أو تخريج دفعات من شباب الأبطال الجدد؛ ثم لا يجرؤ أحد منا على التكلم أو إدارة القناة حتى انتهاء الفعاليات كاملة.
هكذا كان قلب أبي: يحنّ لرؤية أبنائه الأبطال، ويئنّ لرؤية أبنائه الشهداء، وهو الفلاح العتيد؛ وهكذا هو قلب كل مصري اقترب من تراب هذه الأرض الطيبة وغازل زعفرانها بفأسه، وسقاها بعَرقه، وبذل في سبيلها عُصارة جهده وفلذات كبده.
***
في محراب العسكرية المصرية الراسخة، لا تُقاس المساحات بالأمتار أو الكيلومترات؛ بل تُقاس بنبض القلوب وقطرات العَرق التي امتزجت بحبات الرمل عبر آلاف السنين، الذي طالما غزل من الكلمات دروعًا، ومن العبارات خنادق، فالأرض في وجدان الجندي المصري ليست ترابًا، بل شرفًا يُصان؛ ليست الأرض حيازة جغرافية أو ملكية عقارية؛ إنما "عِرض" يُكرم ولا يُهان، ودونه الأنفس والولدان؛ إنها تلك العلاقة السرية، والمقدسة في آن واحد، التي تربط بين "الفلاح" الذي يزرع و"المقاتل" الذي يحمي، وفي كثير من الأحيان، يكونان نفسًا واحدة في جسدين.
الأرض هي الامتداد التاريخي، هي ذات الأرض التي سار عليها أجداده العظام، وحفظت خطى "أحمس" و"تحتمس"، وَهِيَ الأَرْضُ الَّتِي دَفَنَ فِي بَطْنِهَا أَعْدَاءَه الجَائِرِينَ؛ الأرض هي المبتدأ والمنتهى، منها خُلق، وعليها يحيا، وفي سبيلها يسترخص الروح لتظل حرة كريمة؛ هي الكرامة الوطنية التي تعني أن ضياع شبر منها يعني انكسارًا في الوجدان لا تجبره إلا استعادتها بالدم.
والمقاتل المصري هو "ابن النيل" الذي حمل الفأس طويلًا ليطعم الدنيا، وحين ناداه الواجب، استبدل بالفأس البندقية ونافح عنها بدمه حتى أعادها إلى حضنه؛ ولهذا فإن الجندي المصري الذي امتلأ تاريخه بمواقف السلام والمسالمة مع جيرانه، والذي لا يعتدي أبدًا على أحد، لا يُحارب لأنه يكره عدوه؛ بل يحارب لأنه يعشق أرضه.. يعشق تلك الأرض التي تركه فيها أهله وديعة، ووعدهم أن يعود إليها ظافرًا أو يُدفن في أحضانها شهيدًا.
في وجدان هذا المقاتل، تكتسب التضاريس معاني مغايرة؛ فـ"التبة" ليست مجرد مرتفع رملي؛ بل هي نقطة سيادة.. و"القناة" ليست مجرد مجرى مائي، بل هي شريان حياة خُضب بدم الطاهرين.. إن القيمة الحقيقية للأرض عند الجندي المصري تظهر في تلك اللحظة التي ينحني فيها ليقبل ترابها بعد النصر، أو حين يحتضن حفنة من رملها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ ففي كلتا الحالتين، الأرض هي الشاهد الأبدي على نبل المقصد وطهارة التضحية.
سيبقى الجندي المصري هو الحارس الأمين الذي يدرك يقينًا أن: من لا أرض له، لا كرامة له، وأن تراب الوطن أغلى من كل كنوز الأرض؛ لأنه مجبول على محبة أرضه، مربوط معها بوثاق إيماني غليظ.



