بقلم/ د. محروس بُريّك
من الآيات التي تقتضي من متلقي القرآن التأني في تحليلها تركيبيًّا وبلاغيًّا قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ..) البقرة:217، فعلى المستوى التركيبي هناك استئنافٌ قد يخاله المتعجل عطفًا وذلك في قوله تعالى (وصدٌّ عن سبيل الله..)؛ إذ قد يَهِمُ بعضنا فيظن أنه داخل ضمن جوابهم عن القتال في الشهر الحرام، في حين أن جواب سؤالهم عن القتال في الشهر الحرام يتمثل في (قتالٌ فيه كبيرٌ) أي (إثمٌ كبير)، وما بعد ذلك استئناف نحوي واستطراد بلاغي لقضية أخرى لم يسألوا عنها، وهي (ما هو أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام).
اقرأ أيضًا: فى بلاغة الفواصل القرآنية 11
فهاهنا قضيتان؛ الأولى: جواب سؤالهم عن القتال في الشهر الحرام بقوله (قتالٌ فيه كبيرٌ) ف (قتال) مبتدأ و (كبيرٌ) صفة لخبر محذوف؛ والتقدير (إثمٌ كبيرٌ). وأما القضية الثانية فتتمثل في الاستطراد ببيان ما هو أكبرُ إثمًا مما سألوا عنه .. إنها تلك الأفعال التي اقترفتموها أنتم أيها الكافرون في حق الله وحق المؤمنين!! وهذا يقتضي ذكر ركني تلك القضية (المسند والمسند إليه)؛ إذ لم يدُر في أذهانهم أن هناك ما هو أكبر إثمًا من القتال في الشهر الحرام.
أما الركن الأول من تلك القضية فيتمثل في المبتدأ بعد واو الاستئناف (وصدٌّ عن سبيلِ الله) وما عطف عليه (وكفرٌ به) أي: وكفرٌ بالله، (والمسجدِ الحرامِ) معطوفًا على (سبيلِ) أي: وصدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، (وإخراجُ أهلِه منه) أي: إخراجُكم المؤمنين أهل المسجد الحرام منه، والخبر هو الركن الثاني لتلك القضية (أكبرُ) أي: إثمٌ أكبرُ من القتال في الشهر الحرام.
لقد أقام الله الحجة على الكافرين فصرف انتباههم إلى قضية أكبر من تلك التي سألوا عنها؛ إذ لو كانوا يرومون الحق لـمَا سألوا عن حكم القتال في الشهر الحرام لأن حرمته قد استقرت في أعرافهم، وإنما سألوا مكرًا منهم؛ فإما أن يأتي الجواب بحِلّ القتال في الشهر الحرام فحينئذ يستطيلون على المسلمين، وإما أن يوافقهم القرآن على حكمهم الذي تعارفوا عليه فيستطيلون على المسلمين أيضًا لأنهم هم الذين تعارفوا على ذلك من قبل.
لكنّ القرآن قد فوّت عليهم ذلك كله فصرف الحديث إلى ما اقترفوه في حق المؤمنين؛ إنها هذه الأفعال الأربعة: (صدّهم الناس عن سبيل الله وهدايته ودينه)، و(كفرهم بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم)، و(صدّهم المسلمين عن المسجد الحرام ومنعهم من أداء العمرة عندما جاؤوا معتمرين في السنة السادسة بعد الهجرة فيما عرف بعمرة القضاء)، و(إخراج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من مكة والمسجد الحرام)، وكل أولئك يفتِنُ المؤمنين عن دينهم، وفتنةُ المرء عن دينه أخطر قضية يتعرض لها المرء، إنها أخطر من القتل في الشهر الحرام (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)، ولأن سؤالهم قد تضمن كلمة (كبير)، فقد جاء التذييل في هذه الآية بكون الفتنة (أكبر) من القتل، وفي ذلك عدول عن التعبير بكلمة (أشد) الواردة في موضع آخر من السورة نفسها (والفتنة أشدّ من القتل) البقرة:191، لكي يكون الجواب باسم تفضيل من اللفظ نفسه الذي ورد في سؤالهم.



