الحق المبين

مناهج العلماء فى خير أجناد الأرض

د. أسامة الأزهرى وزير الاوقاف
د. أسامة الأزهرى وزير الاوقاف

بقلم/ د. أسامة الأزهرى

بعد أن عرضنا الشواهد الحديثية وأقوال الفقهاء والمحدثين فى حديث «خير أجناد الأرض»، يبقى سؤال مهم: كيف تعامل كبار الحفاظ والنقاد مع هذه الروايات عبر القرون؟ وهل اقتصر الأمر على مجرد نقلها، أم تجاوز ذلك إلى الاحتجاج بها والافتخار بما تضمنته من إشادة بجند مصر؟ كما أن للتاريخ كلمته فى هذا الباب؛ إذ إن بعض العلماء رأوا فى وقائع كبرى، مثل عين جالوت وغيرها، شواهد عملية تؤكد ما ورد فى النصوص من مناقب الجند الغربي وفضلهم.

اقرأ أيضًا: لماذا لم يُضعِّف الأئمة حديث خير أجناد الأرض؟

ونقف فى هذا المقال مع المسلك السادس، الذي يتمثل فى أن الحفاظ والنقاد والأكابر من أهل الحديث، ممن عُرفوا بالإمامة فى هذه الصنعة، لم يكتفوا بقبول الروايات الواردة فى شأن الجند الغربي، بل احتجوا بها وأشادوا بها وافتخروا بالانتساب إلى بلد الجند الغربي.

ومن النصوص اللافتة فى هذا الباب ما أورده تاج الدين السبكي فى كتابه «طبقات الشافعية الكبرى» عن الإمام الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، شيخ المحدثين وإمام الحفاظ والنقاد فى زمانه، وأحد شيوخ الحافظ الذهبي، ففى بعض مكاتباته كتب يقول: «وهذا قول عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، خادم السنة النبوية بالديار المصرية، وهي الجند الغربي السالم من الفتن»، ثم استشهد بحديث أبي شريح بن عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني: «تكون فتن، خير الناس فيها، أو أسلم الناس فيها، الجند الغربي»، فهذا إمام من أئمة الحديث لم ير أن الإشادة بالجندي المصري أمر دخيل أو غير ثابت، بل كان يعتز بالانتساب إلى مصر بوصفها أرض الجند الغربي الذين حظوا بالإشادة النبوية.

ومن أعجب ما وقفت عليه أيضًا ما ذكره الحافظ السيوطي فى كتابه «الديباج شرح صحيح مسلم»، فعند حديث النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق بالمغرب حتى تقوم الساعة»، قال السيوطي: «قلت: لا يبعد أن يراد بالمغرب مصر، فإنها معدودة فى الخط الغربي بالاتفاق، فقد روى الطبراني والحاكم وصححه عن عمرو بن الحمق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون فتن أسلم الناس فيها الجند الغربي، قال ابن الحمق: فلذلك قدمت عليكم»، ثم قال: «فهذه منقبة لمصر فى صدر الملة واستمرت»، وأضاف: «وما زالت معدن العلم والدين، ثم صارت فى آخر الأمر دار الخلافة ومحط رحال، ولا بلد الآن فى سائر الأقطار بعد مكة والمدينة يظهر فيها من شعائر الدين ما هو ظاهر فى مصر».

وهنا تلتقي علوم الحديث والفقه والتاريخ لتقدم قراءة متكاملة للنصوص، بعيدًا عن النظرة الجزئية أو الأحادية، ثم ننتقل إلى شاهد آخر لا يقل أهمية، وهو شهادة التاريخ نفسه، ففى كتاب «مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري، نجد حديثًا بديعًا عن معركة عين جالوت، حين تصدت الجيوش المصرية لجحافل التتار التي لم تستطع ممالك الإسلام المتعددة الوقوف فى وجهها، يقول ابن فضل الله العمري: «ونهض الجيش المصري بما عجزت عنه ملوك أقطار الأرض»، ثم يبين أن الجيوش التي واجهت التتار قبل ذلك كانت تفوق الجيش المصري عددًا وعدة، حتى قال: «ولم يكن الجيش المصري بالنسبة إلى الجيوش الجلالية إلا كالنقطة فى الدائرة والنغبة فى البحر». 

ومع ذلك كان النصر على يد الجيش المصري، فقال: {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ }، وقال: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ  وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، ثم ربط ذلك بحديث الجند الغربي، فقال: «وهذا من المعجزات النبوية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من عاداهم إلى يوم القيامة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا وهم الجند الغربي»، ويرى ابن فضل الله العمري أن هذه الطائفة هي التي تصدت للتتار وحفظ الله بها بيضة الإسلام، حتى قال: «فتمسك بهذه المرة رمق الإسلام»، بل يذهب إلى أن هذه النصرة كانت سببًا فى بقاء الشريعة والأمة، بعدما اجتاح التتار بلادًا واسعة من العالم الإسلامي، وأسقطوا بغداد وغيرها من الحواضر الكبرى.

وقد يسأل سائل: هل وقوع هزيمة للجيش المصري فى مرحلة من المراحل ينقض هذه الفضيلة أو يناقض ما ورد فى الأحاديث؟

والجواب: لا، فالتاريخ العسكري لأي أمة يعرف الانتصار والانكسار، لكن العبرة بالمحصلة الكلية، ولعل أوضح مثال على ذلك ما جرى فى عام 1967م، حين تعرض الجيش المصري لانتكاسة عسكرية، لكنه لم ينكسر معنويًا ولم يتوقف عن القتال، بل خاض حرب الاستنزاف، وحقق خلالها ضربات موجعة، ثم تُوِّج ذلك بانتصار أكتوبر 1973م واستعادة الأرض والكرامة، وقد نقل الفريق سعد الدين الشاذلي أن الفجوة العسكرية كانت كبيرة، وأن الوصول إلى مستوى التكافؤ كان يحتاج إلى سنوات طويلة.

اقرأ أيضًا: خير أجناد الأرض - دفاع عن المنهج العلمي

ومع ذلك خاضت القوات المسلحة المعركة وحققت النصر، بل إن شهادات الخصوم أنفسهم كانت لافتة؛ إذ سُئل أرييل شارون فى إحدى المناظرات بعد حرب أكتوبر عن أكبر مفاجأة واجهته فى الحرب، فأجاب: «الجندي المصري»، ومن ثم فإن هزيمة عابرة أو حتى عدة هزائم لا تنفى هذه الخصيصة، ولا تلغي ما شهدت به النصوص ولا ما سجله التاريخ، فالجيوش تُقاس بمسيرتها الممتدة، لا بلحظة واحدة من لحظات الصراع، وقد ظل الجندي المصري عبر القرون حاضرًا فى مواقع الدفاع عن الأرض والأمة، وهو ما جعل عددًا كبيرًا من العلماء والمؤرخين يربطون بين الشواهد التاريخية وبين ما ورد فى النصوص النبوية من إشادة بالجند الغربي وجند مصر وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا