بقلم/ د. أسامة الأزهرى
بعد استعراض مسالك إثبات حديث «خير أجناد الأرض» من خلال دراسة الأسانيد، واحتجاج الفقهاء به، وتلقي العلماء له بالقبول عبر الأجيال، ننتقل إلى مرحلة جديدة من البحث، من أكثر المراحل أهمية وحسمًا فى الجدل الدائر حول الحديث. فالسؤال هنا لم يعد متعلقًا فقط بوجود من صحح الحديث أو احتج به، وإنما بمدى حضور الطعن فيه داخل التراث النقدي الإسلامي نفسه، فإذا كان الحديث، كما يزعم بعض المعاصرين، باطلاً أو موضوعًا، فهل سجل أئمة النقد هذا الحكم فى مصنفاتهم التي أفنوها فى تتبع الأحاديث الواهية والمكذوبة؟ وهل غاب ذلك عن كبار الحفاظ والنقاد الذين تعاقبوا على خدمة السنة النبوية طوال قرون؟ ومن هذا التساؤل ننطلق إلى استعراض المسلك الرابع، قبل أن ننتقل إلى الشواهد النبوية الأخرى التي تؤكد المعنى العام الوارد فى الحديث وتدعمه.
اقرأ أيضًا: خير أجناد الأرض - دفاع عن المنهج العلمي
أما المسلك الرابع فى الاستدلال، أو فى فهم المدارس العلمية المختلفة التي تعاملت بها الأمة مع حديث «خير أجناد الأرض» عبر القرون، وهو من أخطر المسالك وأقواها دلالة.
فإذا كان بعض المعاصرين قد ذهب إلى الحكم على الحديث بالبطلان، فإن هذا الحكم يقتضي، من الناحية العلمية، أن يكون له حضور واضح فى كتب الأحاديث الباطلة والموضوعة والواهية، التي أفنى العلماء أعمارهم فى جمعها وتتبعها ونقدها، غير أن مراجعة هذه المصنفات، على كثرتها وتنوعها عبر العصور، تكشف أن أحدًا من أصحابها لم يذكر هذا الحديث ضمن الأحاديث الباطلة أو الموضوعة أو المنكرة.
وإذا كان الحديث باطلاً بالفعل، فكيف غاب ذلك عن أجيال متعاقبة من كبار نقاد الحديث الذين تتبعوا الروايات الضعيفة والشاذة والموضوعة، ولم يتركوا صغيرة ولا كبيرة فى هذا الباب إلا سجلوها ونبَّهوا عليها؟
نؤكد أن كتب العلل والمناكير والتواريخ الحديثية، التي عُرفت بدقتها البالغة فى تتبع الروايات ونقدها، قد خلت جميعها من أي طعن فى هذه الخطبة سندًا أو متنًا، كما لم يرد فيها اعتراض على ألفاظها أو معانيها، بل إن المحدثين، على اختلاف مناهجهم بين التشدد والاعتدال والتسامح، لم يُنقل عن أحد منهم إنكار للخطبة أو للحديث الوارد فيها.
ونضرب أمثلة لذلك بعدد من أشهر المصنفات النقدية، ومنها: «الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير» للجوزقاني، و«المجروحين» لابن حبان، و«العلل المتناهية فى الأحاديث الواهية» و«الموضوعات» لابن الجوزي، و«اللآلئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة» للحافظ السيوطي، و«تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة» لابن عراق الكناني، و«الفوائد المجموعة فى الأحاديث الموضوعة» للشوكاني، و«المصنوع فى الحديث الموضوع» للملا علي القاري، وكل هذه الكتب لم يذكر فيها حديث «خير أجناد الأرض» ضمن الأحاديث الباطلة أو الموضوعة، بل إن الحافظ السخاوي فى كتابه «المقاصد الحسنة فى الأحاديث المشتهرة على الألسنة» أورد الخطبة والحديث، ولم يتعقبهما بتضعيف أو تكذيب أو حكم بالبطلان، وإنما انتقل إلى ذكر أحاديث أخرى تؤيد المعنى نفسه وتعضده.
والحقيقة أن هذا المسلك يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن هؤلاء الأئمة كانوا من أشد الناس غيرة على السنة النبوية، ولم يتركوا حديثًا موضوعًا أو مكذوبًا أو منكرًا إلا نبهوا عليه وحذروا منه، ومن ثم فإن خلو كتبهم من أي طعن فى الحديث يمثل قرينة علمية معتبرة لا يصح إغفالها عند دراسة المسألة.
المسلك الخامس، وهو أن معنى الحديث تؤيده مجموعة أخرى من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي وردت فى فضل أهل مصر وجندها، حتى على فرض عدم ثبوت لفظ «خير أجناد الأرض» نفسه.
ومن ذلك ما رواه أبو يعلى فى مسنده، وابن حبان فى صحيحه، وابن عبد الحكم فى «فتوح مصر»، من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تقدمون على قوم جعد رؤوسهم، فاستوصوا بهم خيرًا، فإنهم قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله»، فهذا النص يتضمن إشادة واضحة بأهل مصر ودورهم فى نصرة الأمة ومواجهة أعدائها.
وأخرج الطبراني فى «المعجم الكبير» عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته بقوله: «الله الله فى قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانًا فى سبيل الله».
وأخرج ابن عبد الحكم كذلك عن مسلم بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استوصوا بالقبط خيرًا، فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم»، وهو حديث مرسل حسن الإسناد.
ولعل من أقوى الشواهد فى هذا الباب، وهو حديث «الجند الغربي»، الذي أخرجه الإمام البخاري فى «التاريخ الكبير»، وابن عبد الحكم فى «فتوح مصر»، وعمر بن شبة فى «تاريخ المدينة»، والبزار فى مسنده، من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتنة، أسلم الناس فيها، أو خير الناس فيها، الجند الغربي».
والمقصود بالجند الغربي بأن الاتجاه غربًا من المدينة المنورة يقود إلى أرض مصر، التي عُرفت عبر التاريخ بوجود جندها ونظامها العسكري الممتد عبر العصور، ويستدل على ذلك بما نُقل عن الصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه، إذ قدم إلى مصر وذكر أنها أرض الجند الغربي الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم أسلم الناس فى الفتن.
اقرأ أيضًا: توثيق ابن لهيعة بين أقوال الأئمة وأهواء المتأخرين
ومن مجموع هذه الروايات والآثار، نخلص إلى أن الإشادة بالجندي المصري قد ثبتت فى عدد من النصوص النبوية بعبارات متعددة، فتارة جاء الوصف بـ«خير أجناد الأرض»، وتارة أخرى بـ«الجند الغربي» الذين هم أسلم الناس أو خيرهم زمن الفتن، بما يؤكد حضور هذا المعنى فى المرويات الإسلامية وتداوله بين العلماء عبر العصور، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.



