محو الأمية .. لبناء الإنسان

د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر
د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر

بقلم/ د. سلامة داود

تمثل الأمية أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات، فهي لا تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة، وإنما تعني أيضًا حرمان الإنسان من حقه فى المعرفة، وإضعاف قدرته على المشاركة فى تنمية مجتمعه وتحسين مستوى حياته، ولهذا كان الاهتمام بمحو الأمية ضرورة حضارية وإنسانية، لأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، ولا يمكن تحقيق التنمية الشاملة إلا بمجتمع يمتلك العلم والوعي.

اقرأ أيضًا: القيم المشتركة بين المسيحية والإسلام 1

وقد أولى الإسلام العلم مكانة عظيمة، فجعل أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، ثم قال سبحانه: ﴿الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾، ليؤكد أن القراءة والمعرفة هما أساس بناء الإنسان، وأن التعليم نعمة من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده، كما قال تعالى: ﴿هو الذي بعث فى الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾، فكانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة علم وهداية، أخرجت الناس من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة.

ومنذ أكثر من ألف عام، ظل الأزهر الشريف منارة للعلم، يحمل رسالة التعليم ونشر المعرفة، ويسهم فى إعداد العلماء والدعاة وخدمة المجتمع، حتى أصبح أحد أهم المؤسسات التي ارتبط اسمها بالعلم والثقافة فى العالم الإسلامي، وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن هذه المكانة بقوله:
قسمًا لولاه لم يبق بها رجل يقرأ أو يدري الكتابا. 

وانطلاقًا من هذه الرسالة، شهد ملف محو الأمية اهتمامًا كبيرًا، من خلال التعاون بين جامعة الأزهر والهيئة العامة لتعليم الكبار ووزارة التضامن الاجتماعي، وهو تعاون أسهم فى محو أمية أكثر من مائة وتسعة آلاف دارس، فى تجربة تؤكد أن تكاتف المؤسسات يحقق نتائج ملموسة فى مواجهة الأمية. 

كما اتُخذت خطوات عملية لتعزيز هذا الدور، من بينها إلزام كل طالب جامعي بالمشاركة فى محو أمية شخص واحد على الأقل سنويًا، بهدف غرس روح المسؤولية المجتمعية لدى الطلاب، وتحويلهم إلى شركاء فى نشر العلم وخدمة المجتمع.  

وحققت هذه الجهود نتائج متميزة، كان من بينها حصول جامعة الأزهر على المركز الأول بين الجامعات المصرية فى مجال محو الأمية فى دورتي يوليو وأكتوبر عام 2022، إلى جانب تنظيم نحو ثمانية آلاف ندوة توعوية داخل مختلف الكليات، لتأكيد أهمية المشاركة فى القضاء على الأمية باعتبارها واجبًا دينيًا ووطنيًا.   

وامتدت الجهود كذلك إلى إعداد الكوادر القادرة على القيام بهذا الدور، حيث نُظمت دورات تدريبية لأكثر من مائتي عضو من أعضاء هيئة التدريس، بالإضافة إلى برامج توعوية للطلاب، بما يسهم فى رفع كفاءة المشاركين فى تعليم الكبار وتحقيق أفضل النتائج.  

ولا تتوقف هذه الجهود عند ما تحقق، بل تمتد إلى المستقبل من خلال العمل على إنشاء مركز متخصص لمحو الأمية وتعليم الكبار، وإطلاق مبادرات جديدة، من أبرزها مبادرة “اقرأ” التي تستهدف التعاون مع أروقة الأزهر فى المحافظات والمراكز والقرى، ومبادرة “تعلم واكسب” التي تجمع بين تعليم القراءة والكتابة وإكساب الدارس مهنة أو حرفة تساعده على تحسين دخله وتوفير حياة كريمة له ولأسرته.

إن القراءة ليست مجرد مهارة يتعلمها الإنسان، بل هي مفتاح العلم والمعرفة، ولذلك قدّمها القرآن الكريم فى سورة العلق، وربطها بخلق الإنسان وتعليمه، كما قال تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق.. علم بالقلم﴾، وفى سورة الرحمن قال سبحانه: ﴿الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان﴾، فجمع بين نعمة الخلق ونعمة التعليم، فى إشارة إلى أن المعرفة لا تقل أهمية عن الوجود نفسه.

اقرأ أيضًا: الدعوة إلى الله

ولم يكتف القرآن بالأمر بالقراءة، بل ختم سورة العلق بقوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾، فى دلالة على أن أسمى أنواع المعرفة هي التي تقود الإنسان إلى تعظيم الله، وتسخير العلم فى خدمة البشرية، فالقراءة الحقيقية هي التي تبني الإنسان وتعمر الأرض، أما المعرفة التي تتحول إلى وسيلة للقتل والدمار وإهلاك الشعوب فهي انحراف عن الرسالة السامية للعلم.

وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه القيمة عمليًا بعد غزوة بدر، حين جعل تعليم القراءة والكتابة لبعض المسلمين فداءً لعدد من أسرى قريش، وهو موقف يكشف المكانة الرفيعة التي منحها الإسلام للعلم، ويؤكد أن بناء العقول أساس لبناء الأمم.

وتبدأ مواجهة الأمية من داخل الأسرة، فالحرص على تعليم الأبناء منذ الصغر هو الطريق الأمثل للقضاء على هذه المشكلة، فالوقاية خير من العلاج، وغرس حب العلم فى نفوس الأطفال يحميهم من الجهل، ويفتح أمامهم أبواب المستقبل، ويجعلهم أكثر قدرة على خدمة أنفسهم ووطنهم.
كما أن محو الأمية لا يقتصر على تعليم الحروف والكلمات، بل يمتد إلى بناء شخصية الإنسان، وتمكينه من التعامل مع متطلبات العصر، والمشاركة فى التنمية، والدفاع عن حقوقه، والقيام بواجباته، والإسهام فى نهضة المجتمع.

ولهذا فإن العناية بالفئات الأكثر احتياجًا إلى التعليم تمثل أحد معايير العدالة الاجتماعية، فقد قال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق” وهي قاعدة تؤكد أن المجتمعات الراقية هي التي تمنح الضعفاء الأولوية فى الرعاية والتعليم، لأن نهضة الأمة لا تكتمل إلا إذا شارك جميع أبنائها فى مسيرة البناء.

إن القضاء على الأمية ليس مشروعًا تعليميًا فحسب، بل هو مشروع وطني وحضاري يهدف إلى بناء الإنسان، وترسيخ قيم العلم والمعرفة، وإعداد أجيال أكثر وعيًا وقدرة على العمل والإنتاج، فالأمم التي تستثمر فى تعليم أبنائها هي الأقدر على تحقيق التنمية، وصناعة المستقبل، وبناء مجتمع يقوم على العلم والعدل والرحمة.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا