أخر الأخبار

الدعوة إلى الله

بقلم: د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر
بقلم: د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر

بقلم: د. سلامة داود

الدعوة الى الله تمثل أحد أهم المسارات الفكرية والعملية فى البناء الديني داخل المجتمعات الإسلامية، وهي ليست مجرد خطاب وعظي، بل منظومة متكاملة تقوم على العلم، والسلوك، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والمعرفية، وفى هذا السياق، تبرز أهمية المؤسسات العلمية الكبرى فى ترسيخ هذا المفهوم، وفى مقدمتها الأزهر الشريف، بوصفه منارة علمية ارتبطت عبر قرون طويلة بإنتاج العلماء وخدمة العلوم الشرعية واللغوية، واستقبال طلاب العلم من مختلف الأقطار، الذين يفدون إليه طلبًا للمعرفة والتكوين العلمي الرصين. 

اقرأ أيضًا: رؤية متوازنة لعصر الذكاء الاصطناعى

وفى إطار الحديث عن الدعوة، تتجلى الحقيقة الجوهرية التي تؤكد أن هذه المهمة ليست مستحدثة، وإنما هي امتداد مباشر لوظيفة الأنبياء والمرسلين، الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل رسالته إلى الناس، قال تعالى: "اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (الحج 75)، وهذا الاصطفاء يضع الداعية أمام مسؤولية دقيقة، قوامها إدراك طبيعة الرسالة التي يحملها، واستحضار مراقبة الله تعالى فى كل قول وعمل.

ومن أهم الأسس التي يقوم عليها العمل الدعوي أن الداعية ينبغي أن يستحضر الخوف من الله والخشية منه وحده، باعتبارها الضمان الداخلي الذي يحميه من الانحراف أو المجاملة على حساب الحق، وقد جاء فى القرآن الكريم تأكيد هذا المعنى فى قوله تعالى: "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" (الأحزاب 39)، فهذه الآية ترسم ملامح الشخصية الدعوية المتوازنة، التي لا تخضع للضغط الاجتماعي أو النفوذ الخارجي، بل تظل ثابتة على المبدأ والحق.

وفى هذا السياق، يتجلى معنى القوة الإيمانية التي تمنح الداعية قدرة على مواجهة التحديات، إذ إن الخوف من الله يتحول إلى حصانة داخلية تردعه عن الخطأ، وتدفعه إلى الثبات فى المواقف الصعبة، ومن هنا يصبح الداعية أكثر قدرة على الاستمرار فى أداء رسالته دون تراجع أو تردد، لأن مرجعيته الأساسية ليست رضا الناس، وإنما رضا الله تعالى وحده.

ويأتي الأمر القرآني للنبي صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" (الحجر 94) ليؤكد طبيعة الجهر بالحق دون مواربة. وقد حملت كلمة "اصدع" دلالة لغوية عميقة تشير إلى البلاغ الواضح القوي الذي لا يقبل الالتباس، وهو ما يعكس طبيعة الرسالة التي لا تحتمل المجاملة أو التردد، ومن هنا، فإن الداعية مطالب بأن يكون واضحًا فى طرحه، ثابتًا فى موقفه، بعيدًا عن المداهنة أو طلب المصلحة الشخصية.

وتتأكد هذه المعاني أكثر عند النظر إلى السياق القرآني الذي تلا هذا الأمر مباشرة، حيث قال الله تعالى: "إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" (الحجر 95-99)، وهذه الآيات ترسم إطارًا نفسيًا ومعنويًا للداعية، حيث تؤكد أن مواجهة الاستهزاء والرفض ليست نهاية الطريق، بل جزء من طبيعة الابتلاء، مع وعد إلهي بالحماية والتثبيت.

وفى ضوء هذا الفهم، تتضح مكانة العلم بوصفه ميراث الأنبياء، كما ورد فى الحديث الشريف: "إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ"، وهذا يضع العلم فى قلب العملية الدعوية، باعتباره الأساس الذي يُبنى عليه الفهم الصحيح للنصوص، والتطبيق السليم للأحكام.

ومن الجوانب المهمة التي يركز عليها الخطاب الدعوي أيضًا أن الدعوة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الحياة نفسها، حيث يقول الله تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الأنفال 24)، فالدعوة ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل هي عملية إحياء للإنسان من الداخل، ونقله من حالة الغفلة إلى حالة الوعي، وهو ما يتضح فى قوله تعالى: "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ.." (الأنعام 122)، حيث يُفهم الموت هنا بمعنى الجهل والضلال، والحياة بمعنى الإيمان والهداية. 

وتبرز أيضًا حقيقة مهمة وهي أن الدعوة ليست قولًا مجردًا، بل هي فعل وسلوك قبل أن تكون خطابًا لفظيًا، كما فى قوله تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (فصلت 33)، وهذا الترتيب بين الدعوة والعمل والقول يعكس أولوية السلوك العملي فى التأثير، حيث يصبح العمل شاهدًا على صدق الكلمة.

اقرأ أيضًا: الهجرة - مقصد قبل المسير

وفى ختام هذا التصور العام للدعوة، يبرز عنصر الاستمرارية والصبر بوصفه أحد أهم مقومات النجاح، إذ إن الطريق الدعوي ليس سهلاً أو سريع النتائج، بل يتطلب ثباتًا طويل النفس، كما هو الحال فى نماذج الأنبياء، وقد تجلى ذلك فى سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي استمر فى دعوته رغم سنوات طويلة من الإعراض والتكذيب، وكذلك فى قصة نوح عليه السلام الذي قال: "قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا..." (نوح 5-9)، بما يعكس طبيعة الجهد الدعوي الممتد والصبر على نتائجه. 

وفى ضوء هذه المعاني المتكاملة، تتضح ملامح الخطاب الدعوي باعتباره مشروعًا فكريًا وسلوكيًا متكاملًا، يقوم على العلم، والثبات، والعمل، والصبر، ويهدف إلى بناء الإنسان وإحياء القيم، فى إطار من الالتزام بالمصدرين الأساسيين: القرآن الكريم والسنة النبوية

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا