بقلم/ د. سلامة داود
يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة فرضتها تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى أصبحت تؤثر فى مجالات لم تعد تقتصر على العلوم التطبيقية وحدها، بل امتدت إلى الدراسات الإنسانية والبحث العلمي والتعليم والثقافة وصناعة الوعي. وبين فرص التطور وتحديات الاستخدام، يظل السؤال حاضرًا: كيف نستفيد من هذه التقنيات دون أن نفقد جوهر الإنسان ودور العقل؟.
اقرأ أيضًا: الهجرة - مقصد قبل المسير
أصبح الذكاء الاصطناعي واقعًا يفرض نفسه على مناهج البحث وأساليب التعلم، وأسهم فى تطوير أدوات الوصول إلى المعرفة، وفتح آفاق جديدة فى التعليم، خاصة لدى الأطفال والناشئة، كما ظهرت تطبيقاته فى تنمية المهارات اللغوية، وحقل الترجمة، ودعم مجالات الإبداع ورعاية المواهب، وفى المقابل برزت تحديات أخلاقية واجتماعية تتطلب وقفة واعية تضمن أن يظل الإنسان هو الغاية من هذا التطور لا ضحيته.
وفى هذا الإطار يبرز دور الأزهر الشريف، جامعًا وجامعة، باعتباره مؤسسة علمية وثقافية تحمل مسؤولية الجمع بين الثوابت ومتطلبات العصر، وتشارك فى مسيرة التقدم والازدهار فى ميادين العلم والثقافة، انطلاقًا من رؤية تؤكد أن التطور لا يتعارض مع القيم، وأن الانفتاح على مستجدات العصر لا يعني التخلي عن الهوية أو تغييب الضوابط الأخلاقية.
ومن هنا تبرز أهمية العمل على تأصيل المبادئ والأخلاقيات الحاكمة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، والانتفاع بإيجابياته ومنافعه، مع الوعي بما قد يحمله من آثار سلبية إذا أسيء استخدامه، حتى يبقى التقدم التقني فى خدمة الإنسان لا بديلاً عنه.
إن الأجيال الجديدة تُعد لزمان مختلف وقضايا متجددة، وربما لعالم لم تظهر كثير من ملامحه بعد؛ لذلك تصبح الحاجة إلى غرس الثوابت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، بما يشمل ثوابت الدين، ومكارم الأخلاق، وجمال البيان، والحكمة، والفضائل، والمروءة، لتكون حصنًا يحفظ الإنسان وسط تغيرات العصر وتسارعه.
وقد قيل: وإن من أدبته فى الصبا، كالعود يُسقى الماء فى غرسه، حتى تراه مورقًا ناضرًا، بعد الذي أبصرت من يُبسه، ومن أبرز القضايا التي تستحق التأمل أثر التطور التقني على العلاقات الإنسانية؛ فقد عرف المجتمع زمنًا كان التواصل فيه أكثر قربًا، حيث تجتمع الأسرة للحوار، ويتابع الوالدان أبناءهم، ويتشاركون تفاصيل الحياة اليومية، ثم جاءت وسائل التواصل الحديثة وغيرت كثيرًا من هذه الأنماط.
واليوم يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالًا جديدًا: هل يصبح عزلة فوق عزلة وقطيعة فوق قطيعة؟ أم يكون وسيلة للتعلم والإنتاج والتواصل إذا أُحسن استخدامه؟.
كما يلفت الانتباه اعتماد بعض المشتغلين بالكتابة والبحث اعتمادًا شبه كامل على أدوات الذكاء الاصطناعي فى إعداد الموضوعات والأوراق العلمية، حتى بات بعضهم يكتفى بما تنتجه هذه الأدوات دون مراجعة أو تحليل أو إعمال للفكر، وكأن مهمة العقل قد انتهت.
غير أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الاجتهاد العقلي أو إلى وسيلة تُضعف ملكات البيان والبحث والتحليل؛ فالقيمة الحقيقية لهذه التقنيات أنها تعين الباحث وتدعمه، لكنها لا تنوب عنه، وتفتح آفاق التفكير دون أن تلغي دوره.
فالذكاء الاصطناعي أداة، أما المعرفة الحقيقية فتصنعها العقول الواعية، والمناهج الرصينة، والإنسان القادر على السؤال والنقد والتمييز والإبداع.
ويبقى التحدي الحقيقي أن نحافظ على إنسانية الإنسان، وأن نُحسن توظيف أدوات العصر بما يخدم العلم ويصون القيم، وهي رسالة يواصل الأزهر الشريف حملها بوصفه منارة تجمع بين أصالة المرجعية ووعي الحاضر واستشراف المستقبل.



