الهجرة - مقصد قبل المسير

د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر
د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر

بقلم/ د. سلامة داود 

فى ذكرى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، نقف أمام حديثين شريفين يحمل كلٌّ منهما معاني عظيمة ودلالات روحية وتربوية تستحق التأمل؛ إذ يكشف الأول عن قيمة النية فى توجيه الأعمال، بينما يبين الثاني أثر الهجرة والإسلام فى محو ما سبق من الذنوب.

أولاً: الهجرة مثلٌ يُقاس عليه
يقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

اقرأ أيضًا: فى ذكرى الهجرة - نصر الله قريب ٢

يقوم هذا الحديث على بناء دقيق يبدأ بقاعدة كلية جامعة: «إنما الأعمال بالنيات»؛ وهي أصل عظيم يضبط أفعال الإنسان كلها؛ إذ تتحدد قيمة العمل وثوابه بحسب القصد الذي قام فى القلب.        

ثم ينتقل الحديث إلى التطبيق الفردي بقوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» ليؤكد أن نصيب الإنسان من عمله بقدر ما قصد إليه، وبعد هذا الإجمال يأتي المثال العملي فى صورة الهجرة، ليبين أن العمل الواحد قد يبلغ أعلى المنازل إذا أُريد به وجه الله ورسوله، وقد يفقد قيمته إذا كان الدافع إليه حظاً من الدنيا أو غرضاً شخصياً.

ومن جمال البيان النبوي أن جواب الشرط فى قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» جاء مطابقاً لفعل الشرط؛ إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، وأن النية هي معيار القبول. 

أما فى المقابل، فلم يُعِد الحديث ذكر الدنيا أو المرأة فى جواب الشرط، بل قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه»؛ وفى هذا تعريض بتحقير المقصد الدنيوي والإعراض عن تعظيمه.

كما أن تخصيص المرأة بالذكر بعد قوله: «إلى دنيا يصيبها» جاء من باب التنبيه على ما قد يشتد به الافتتان، وقد ورد أن سبب الحديث قصة رجل هاجر ليتزوج امرأة عُرفت بأم قيس، فكان يُسمى مهاجر أم قيس.

وتبرز من هذا الحديث حقيقة كبرى: أن الهجرة ليست حادثة تاريخية فحسب، بل نموذج يُقاس عليه كل عمل، فالعبرة ليست بالحركة والانتقال، وإنما بالقصد والنية التي تقف وراءهما.

ثانياً: الهجرة تجبُّ ما قبلها
ويروي سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه لما أراد الإسلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنه يريد أن يُغفر له، فقال له النبي: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله».

يجمع الحديث بين الإسلام والهجرة والحج فى معنى واحد، وهو أن كلاً منها يمحو ما سبقه ويبدأ بالإنسان صفحة جديدة، فالإسلام انتقال من الكفر إلى الإيمان، والهجرة انتقال من دار إلى دار ابتغاء مرضاة الله، والحج رحلة يتجرد فيها الإنسان من مألوفاته ويتوجه إلى ربه.

وتكرار عبارة «يهدم ما كان قبله» يؤكد استقلال كل عبادة من هذه العبادات بفضلها وأثرها، وكأن الذنوب بناء يُزال من أساسه، ولا يقتصر هذا المعنى على هذه الأعمال الثلاث، بل جعل الله فى شعائر أخرى أسباباً لتكفير الذنوب؛ كالصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة.

وجاء ذكر هذه الثلاثة فى حديث عمرو بن العاص موافقاً للمقام؛ إذ كان يعلن إسلامه، وقد جاء مهاجراً، فناسب أن يُبشَّر بأن الإسلام والهجرة يفتحان للإنسان باباً جديداً من الرحمة والمغفرة، وهكذا تبقى الهجرة النبوية درساً متجدداً فى أن الأعمال لا تُوزن بصورها، وإنما بنياتها، وأن أبواب التوبة والتجديد مفتوحة لمن أقبل على الله بقلب صادق.