أمهات وجنات

 الشيخ علاء الدين أبو العزائم
الشيخ علاء الدين أبو العزائم

بقلم: الشيخ علاء الدين أبو العزائم

كيف تصير الأم طريقًا للجنة؟ سؤال يجب أن تسأله كل أم ويسأله كل ابن وابنه فى زماننا هذا، فمن أعظم أبواب الخير وأجلِّ مفاتح الرضا، ما جاء فى الحديث الشريف: «الجنة تحت أقدام الأمهات»؛ فليس هذا وعدًا بالشهوة ولا زخرفًا بالكلام، بل هو ميزانٌ إيمانيٌّ يضع الأم فى موضعٍ رفيع، ويجعل برَّها علامةً على صدق العبد مع ربه.

فضلُ الأم لا يقتصر على ما قدمته من حملٍ وولادةٍ وسهرٍ وتعب، بل يتجاوز ذلك إلى كونها مصدرًا للرحمة الأولى فى حياة الإنسان. فهي المدرسة التي تُلقِّن الطفل معنى الأمان، وتُربي فيه معنى الستر والحياء والامتثال. وحين يُكرمها الولد، لا يُكرم جسدًا فقط، بل يُكرم معنىً كاملًا عاشته الأم: قلبٌ يرحم، وذراعٌ تحفظ، وعقلٌ يجتهد، وصبرٌ يدافع عن الخير.

إن عبارة «تحت أقدام الأمهات» تحمل فى معناها دلالة تربوية عظيمة: أن طريق الجنة ليس شِعارًا ولا ادعاءً؛ بل هو خضوعٌ للحق، وتواضعٌ لطرفٍ من أطهر الناس، وطاعةٌ ترقِّي القلب، فالأم حين تُظلم أو تُهمل، يمرض المجتمع؛ وحين تُراعى وتُحفظ كرامتها، يزدهر فى الناس الوفاء والرحمة.

اقرأ أيضًا: تعاونوا يرحمكم الله

ومعنى البرِّ للأم أن يكون عمليًا لا لفظيًا. برُّها فى الإنصات، وفى الرفق عند الكلام، وفى خفض الصوت، وفى احتساب تعبها دون منّةٍ ولا تذمّر، برُّها أن تحبَّ ما تحبُّه من صلاح، وأن تضع حدودًا لأثر الغضب، وأن تُزيل عنها ثقل الدنيا قدر استطاعتك، وقد علّمنا الشرع أن البرَّ فريضة حتى لا تنقلب العلاقة إلى حساباتٍ نفعيّة.

أما عن حالة الأنانية والجحود التي باتت تسكن بعض النفوس، حيث لا يهمُّ سوى الذات، فهي من أخطر ما يهدد بيوت المسلمين. فالادعاء بأن للأم «حقوقًا فقط» دون واجبات، يُفرغ البرّ من جوهره، صحيحٌ أن للأم حقوقًا، لكن المؤمن لا يحصر الدين فى مطالبة الآخرين؛ بل يبدأ بتقديم الواجب، إن الأم ليست «مطالِبة»، بل هي «مُربِّية» وهي رمز العطاء بلا حدود وعنوان التسامح بلاد نهاية وهي صانعة الرجال وبانية المجتمع السليم القائم على حب الخير والاحترام والتقدير والإقدام فى صناعة المعروف والإحسان. 

ولأن مستقبل الأمة يصنعه اليوم، فلابد من غرس هذه القيم فى أمهات المستقبل من خلال: تربية البنات على الصبر والرحمة، لا على التعالي والحدة، وتعويد الأسرة على احترام الأم منذ الصغر؛ فالقلب يتعلم بالقدوة، وترسيخ معنى الاحتساب: أن ما يُبذل للأم ليس صفقة، بل عبادة، وتحصين النفوس من عقدة الاستحقاق؛ فلا تُصبح الحياة “مطالب”، بل “عطاء”، وتعليم الفتيات مهارات الرعاية: كالحوار الهادئ، وإدارة الغضب، وخدمة البيت بلا إهانة للذات. 

فلنجعل هذا الحديث نورًا فى بيوتنا: نجتهد أن نكون بارّين بأمهاتنا، ونصون قلوبهن، ونزرع الرحمة فيمن حولنا. فالجنة، كما وعدنا النبي الكريم صلوات الله عليه وتسليماته ليست بعيدة، لكنها تُوطَّن تحت أقدام الأم: بطاعةٍ ورحمة، ووفاءٍ لا ينقطع، حتى نُسعد أنفسنا قبل أن نطلب السعادة.

 

ترشيحاتنا