بقلم/ د. رهام سلامة
التاريخ أسماءً خالدة لا لأنها عاشت حياة سهلة، بل لأنها امتلكت الشجاعة الكافية لتغيير واقعها ومجتمعها، ومن بين هذه الأسماء تبرز نساء آمنَّ بأن العلم هو السبيل الحقيقي للنهوض بالأمم، فحملن رسالته رغم التحديات والعقبات.
وإذا كانت المرأة المتعلمة تبني جيلاً واعياً، فإن المرأة التي تناضل من أجل تعليم الآخرين تصنع مستقبلاً بأكمله، ومن هذا المنطلق نتوقف اليوم أمام واحدة من أبرز رائدات التعليم فى شبه القارة الهندية، السيدة فاطمة شيخ، التي كرّست حياتها لنشر المعرفة والدفاع عن حق الفتيات والفئات المهمشة فى التعليم، لتصبح رمزاً للإصلاح الاجتماعي والتنوير الإنساني.
تحدثنا فى المقال السابق عن «فاطمة الفهرية»، واحدة من رائدات التعليم والعمل الخيري فى القرن التاسع الميلادي، والزخم العلمي الذي نتج عن مؤسستها التعليمية والدينية التي أسستها فى مدينة فاس المغربية، لتصبح أقدم جامعة فى العالم، واليوم نستكمل حديثنا عن رائدة أخرى من رائدات التعليم، ولكن هذه المرة سننتقل بالزمان إلى القرن التاسع عشر، والمكان إلى شبه القارة الهندية، حيث كان للمرأة بصمة كبيرة فى المجال التعليمي، وسنتناول لمحات من حياة السيدة «فاطمة شيخ»، أول معلمة مسلمة فى شبه القارة الهندية، وواحدة من المصلحات ورائدات التعليم فى العصر الحديث.
وُلدت «فاطمة شيخ» فى منطقة «جانج بيث» (Peth Ganj) بمدينة «بونا»، الواقعة حالياً فى ولاية «ماهاراشترا” الهندية، فى التاسع من يناير عام 1831م، لأسرة ميسورة الحال، وكان والدها «الشيخ إبراهيم” عالماً دينياً وأحد كبار مُلّاك الأراضي، وقد امتلك ثقافة واسعة جعلته مؤمناً بأهمية تعليم الفتيات؛ لذلك حرص على غرس حب العلم فى نفسها، فتلقّت تعليمها الابتدائي فى منزلها، ثم التحقت بإحدى مدارس بونا، وتلقت فيما بعد تدريباً مكّنها من أن تصبح معلمة معتمدة، مجيدة للغات العربية والفارسية والأردية.
نشأت «فاطمة شيخ» خلال حقبة شهدت الحركة التعليمية فيها حالة من التمييز الطبقي والديني والجنساني، حيث كانت بدايات القرن التاسع عشر تشهد افتقاراً شديداً للتعليم بين عامة الناس، وكانت المناهج الدراسية فى المدارس التقليدية تعتمد بشكل أساسي على التعليم الديني، كما كان التعليم الحديث مقتصراً على طبقة «البراهمة” الهندوسية، وهي طبقة الكهنوت ورجال الدين، وغيرها من الطبقات الهندوسية العليا، مع إقصاء الطبقات الدنيا من التعليم ومن كثير من حقوق الحياة، وعلى رأسها طبقة «الداليت» أو المنبوذين. كذلك كان إرسال الفتيات إلى المدارس لدى بعض الأسر المسلمة يُعد أمراً معيباً وغير لائق، ورغم الدور الذي لعبته الإرساليات المسيحية فى تعزيز التعليم فى شبه القارة الهندية من خلال إنشاء العديد من المدارس الخاصة بالنساء، فإن أعداداً محدودة للغاية من الفتيات، وغالباً من الطبقات العليا، تجرأن على الالتحاق بتلك المدارس.
هنا جاء دور «فاطمة شيخ»، التي دفعها إيمانها العميق بحق الجميع فى التعليم، وحق المرأة على وجه الخصوص، إلى وضع حجر الأساس لتعليم الفتيات وأبناء الطبقات المهمشة، حتى استحقت لقب «المرأة التي تنشر نور العلم»، وكيف لا، وقد كانت واحدة من النساء القليلات فى شبه القارة الهندية اللاتي تحملن المصاعب وواجهن عقبات لا حصر لها لنشر التعليم وتعزيز الإصلاح الاجتماعي، كما انخرطت فى حركة الإصلاح الاجتماعي التي قادها «جيوتيراو فولي» و«سافيتريباي فولي»، وهما من رواد التعليم فى الهند، والتي هدفت إلى تعليم الفتيات وأفراد المجتمعات المهمشة، والقضاء على نظام الطبقات والتمييز القائم على الدين أو الجنس أو الوضع الاجتماعي.



