بقلم/ د. محروس بُريّك
قد يكون العدول إلى الفاصلة المنفردة فى سورة من السور مؤكدًا للمعنى المعجمي لكلمة الفاصلة، كما فى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) الذاريات: 7-9؛ إذ لم ترد الفاء رويًّا لأية فاصلة فى السورة كلها سوى الآية الثامنة (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) التي تمثل جوابًا للقسم فى قوله تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ)، فالهيئة المقطعية لهذه الفواصل واحدة هي (بُك، لِف، فِك) لكن لمَّا كان المراد إثبات مدى اختلاف الكافرين فى النبي صلى الله عليه وسلم، وفى القرآن فمن مصدق ومكذب. يقول القرطبي: «وقيل: نزلت فى المقتسمين.
اقرأ أيضًا: فى بلاغة الفواصل القرآنية ٧
وقيل: اختلافهم قولهم ساحر بل شاعر بل افتراه بل هو مجنون بل هو كاهن بل هو أساطير الأولين، وقيل: اختلافهم أن منهم من نفى الحشر ومنهم من شك فيه، وقيل: المراد عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره»، لمَّا كان هذا هو حالهم من الاختلاف جاءت الفاصلة مخالفة إيقاعيًّا من حيث حرف الفاصلة تأكيدًا لهذا الاختلاف الذي ينبئ عن تخبطهم وضلالهم، ولعل هذا التأكيد لمعنى الاختلاف يتوافق مع ورود عدة مؤكدات فى الآيات تتمثل فى القسم و(إنَّ) و(اللام المؤكدة الداخلة فى خبر إنّ)، هذا فضلا عن أن اختيار القسم بـ(السماء ذات الحبك) يؤكد معنى الاختلاف؛ إذ الحُبُك هي طرائق النجوم، فكما أن طرائق النجوم مختلفة متباينة كذلك أقوالهم مختلفة متباينة.
وقد يتحقق انفراد الفاصلة بورود حرف الفاصلة لامًا مرة واحدة فى سورة فواصلها مبناها على تعاقُب الميم والنون، ولا ضير فى أن يتعاقبا؛ إذ «الميم تكافئ النون» على حد تعبير أبي سعيد السكري، فنجدهم يقولون: «(أَيْنٌ) و(أَيْمٌ) وهو الحَيَّة، و(غيمٌ) و(غينٌ)”، ومما ورد فيه اللام رويًّا منفردا بين الميم والنون قوله تعالى فى سورة السجدة: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) السجدة: 23، وقوله تعالى فى سورة الزخرف: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) الزخرف: آية 59.
وعلى الرغم من ورود اللام فاصلة منفردة فى الآيتين السابقتين إلا أنه لا دلالة وراء ذلك العدول الإيقاعي؛ إذ إن بني تميم يقولون (إسرائين) بالنون، وبذلك قرأ الحسن والزهري وابن أبي إسحاق، كما أن اللام تعاقب النون، إن ذلك التعاقب بين النون والميم واللام إنما جوزه كون هذه الأصوات تتسم بسمة واحدة هي كونها أصواتًا صامتة، لكن التقارب بين النون والميم أشد فكلاهما أنفى مجهور، ولا يختلفان إلا فى كون الميم شفويًّا والنون أسنانيًّا لثويًّا، أما اللام فيتفق معهما فى كونه مجهورًا، لكنه أقرب إلى النون منه إلى الميم؛ إذ يتفق مع النون فى كونه أسنانيًّا لثويًّا كذلك.
إن هذا التقارب فى الأداء الصوتي بين الميم والنون جعلهما يتعاقبان فى أكثر فواصل القرآن الكريم، إذ مثّلت النون أعلى نسبة شيوع من حيث ورودها رويًّا فى فواصل القرآن إذ وردت (3152 مرة) تلتها الميم إذ وردت (742مرة)، كما أن التقارب الصوتي بين النون واللام جعلهما يتعاقبان فى الفواصل، كما تعاقبا فى المفردة الواحدة فى الأمثلة التي حكاها اللغويون العرب، لكن تعاقبهما فى الفواصل أقل ورودًا من تعاقب الميم والنون.



