بقلم/ د. محمد فاروق الشوبكي
هل اكتفى إبليس بطلبه من ربه بالإمهال إلى يوم يبعثون؟ لا، بل أقسم لربه بأنه سيقعد لبنى آدم الصراط المستقيم، قال تعالى: (قَالَ فَبِمَآ أَغوَيتَنِي لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِرَٰطَكَ ٱلمُستَقِيمَ) [الأعراف: ١٦].
الإغواء: من غوى يغوى غيًا وغواية بمعنى فسد عليه أمره وفسد هو فى نفسه. وأصل الغى فساد الجهاز الهضمى من كثرة الغذاء أو سوئه، تقول العرب: غوى الفصيل إذ فسد جوفه، ثم توسعوا فيه فاستعمل فى الفساد المعنوى من الانهماك فى الجهل وكل ما ينافى الرشد.
اقرأ أيضًا: الحوار بين الله وإبليس ٣٠
فأصل الغى الفساد، أما أصل الضلال فهو الهلاك، والذى يوجبه أصل الكلمتين أن يكون الضلال عن الدين أبلغ من الغى فيه، ويستعمل الضلال أيضًا فى الطريق كما يستعمل فى الدين فيقال ضل عن الطريق إذا فارقه، ولا يستعمل الغى إلا فى الدين خاصة.
وإثبات (الفاء) فى قوله: (فبما أغويتني) لاقتصاره على الخطاب دون النداء الموجب استئناف ما بعده، فالفاء هنا توجب اتصال ما بعدها بما قبلها، وكذلك القول فى قوله تعالى (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ) [ص: ٨٢] حيث لم يرد فى الآية نداء يوجب الاستئناف، بينما فى سورة الحجر يقول: (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغوَيتَنِي) [الحجر: ٣٩] دون فاء، فلأن الدعاء فى المصدر يستأنف بعده الكلام، والقصة غير مقتضاة لما قبلها كما اقتضاها قوله: (رَبِّ فَأَنظِرنِيٓ) [الحجر: ٣٦] والفاء توجب اتصال ما بعدها بما قبلها، والنداء أولًا يوجب القطع واستئناف الكلام سيما فى قصة لا يقتضيها ما قبلها، فلم تحسن الفاء مع قوله: (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغوَيتَنِي).
وقدم المجرور على عامله فى قوله: ٍ(فبما أغويتني) لإفادة معنى التعليل، وهو قريب من الشرط فلذلك استحق التقديم، فإن المجرور إذ قدم قد يفيد معنى قريبًا من الشرطية.
قول إبليس (فبما أغويتني) يدل على أنه أضاف إغواءه إلى الله تعالي، وقوله فى آية أخرى (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ) [ص: ٨٢] يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه. فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد، فأقسم به إعظامًا لقدره عنده.
ولأن طريق الإغواء يوصل إلى الخطأ والخطيئة، فليس من العجيب أن نجد مادة (الغواية) تكررت فى القرآن الكريم بكل مشتقاتها 22 مرة وهو نفس عدد تكرار ألفاظ الخطأ والخطيئة.



