بقلم/ د. نظير محمد عياد
إذا كان بناء الضمير هو الأساسَ الذي تقوم عليه الأخلاق وتنهض، فإن ديمومتها واستمرار أثرها فاعلًا مرهون بتحولها إلى ثقافةٍ عامةٍ تسري فى أوصال المجتمع كله وتغذي حياته، حتى تغدو قيمةً حاكمةً للعلاقات بين الأفراد داخل هذا المجتمع، وميزانًا للأحكام إحدى كفتيه العدل والأخرى الإحسان، ومنهجًا فى التفكير والعمل، فلا تبقى الأخلاق شأنًا فرديًّا محدود الأثر، بل تنعكس على الأداء والسلوك، وتظهر فى صورة العدل، والإتقان، والرحمة، والصدق، والوفاء، واحترام الإنسان، وحينئذٍ لا تكون الأخلاق مجرد خصال يتحلى بها بعض الأفراد، وإنما تتحول إلى بيئةٍ مجتمعيةٍ تُعين على الخير.
اقرأ أيضًا: الأخلاق ضرورة حياتية - وفريضة دينية
وتضيق مساحة الفساد، وتغرس الثقة بين الناس، ونظرًا لشديد أهميتها، لم يجعل الإسلام الأخلاق فرعًا من فروع الدين، ولا بابًا من أبوابه فحسب، وإنما أقام عليها بنيان الشريعة كلها؛ إذ جاءت أوامر القرآن الكريم وتوجيهاته لترسيخ منظومة القيم التي تحفظ العمران وتصون الإنسان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾، وهي آيةٌ عدَّها العلماء من أجمع آيات القرآن؛ لأنها جمعت أصول الفضائل، وحذرت من أصول الرذائل، فدلَّت على أن الأخلاق ليست زينةً تكمِّل الدين، بل هي من صميم مقاصده وغاياته، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يعلن النبي صلى الله عليه وسلم الغاية الجامعة من بعثته بقوله «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» ومن هنا كان كمال الإيمان مرتبطًا بكمال الخُلُق، كما قال صلى الله عليه وسلم «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا».
ومن أجل ذلك بسط الإسلام سلطان الأخلاق على جميع مجالات الحياة، فهي حاضرة فى الاقتصاد كما هي حاضرة فى السياسة، وماثلة فى الإدارة مثولها فى القضاء، وغاية أساسية فى التعليم وهدف منشود فى الإعلام، لأن الإنسان كلٌّ لا يتجزأ، ولا يمكن أن يكون مستقيمًا فى محرابه، ثم يفرِّط فى أمانته، أو يظلم فى معاملاته، أو يتهاون فى مسؤوليته، وقد ذم القرآن الكريم هذا الانفصام بين الظاهر والباطن، وربط النجاة باستقامة السريرة والعلانية معًا.
ومن أخطر ما يواجه عالمنا المعاصر،أخي القارئ الكريم، اختلالُ موازين التقييم؛ إذ أصبح النجاح عند بعض الناس مرادفًا للثراء بغض النظر عن مصدره، والقوة مرادفةً للغلبة ولو على الضعيف، والشهرة دليلًا على القيمة ولو كانت زائفة، بينما يقرر القرآن الكريم أن معيار الكرامة الحقيقي هو التقوى، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، والتقوى ليست مجرد شعورٍ قلبي، وإنما هي وعيٌ دائمٌ بالله، يثمر عدلًا، وصدقًا، ورحمةً، وإحسانًا، ويجعل صاحبه رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة غيره، ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للأخلاق ليست ترفًا فكريًّا، ولا خطابًا مثاليًّا يتردَّد صداه فى المناسبات دون أثر، وإنما هي ضرورةٌ تُمليها طبيعة كل عصر، ولا سيما عصرنا هذا؛ حيث تتسارع الثورة التقنية.
اقرأ أيضًا: بناء الإنسان - أساسُ العمران وصناعة الحضارة
وتتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، وتتسع دوائر التأثير الإعلامي، وعليه تزداد الحاجة إلى منظومةٍ أخلاقيةٍ تضبط حركة الإنسان، وتوجه العلم نحو الخير، وتَحُول دون تحوُّل القوة إلى بطش واستبداد، أو صيرورة المعرفة إلى وسيلةٍ للهيمنة والإفساد، فالتقدم المادي إذا انفصل عن القيم قد يحقق الرفاه، لكنه لا يصنع السعادة، وقد يوفر القوة، لكنه لا يحقق العدالة، ولهذا أدرك علماء الإسلام أن المقاصد الشرعية لا تنفصل عن البناء الأخلاقي؛ فحفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل، إنما يقوم على منظومةٍ من القيم التي تضبط السلوك، وتصون الحقوق، وتمنع العدوان، فالأخلاق ليست غايةً موازيةً لمقاصد الشريعة، وإنما هي الإطار الذي يحفظ هذه المقاصد ويضمن تحققها فى واقع الناس.
علينا جميعًا أن نعيَ أن الأخلاق ليست خيارًا تكميليًّا فى حياة الأمم، وإنما هي شرط بقائها، وأساس قوتها، وسر قدرتها على تحقيق التوازن بين المادة والروح، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية، وإذا كانت الحضارات تُبنى بالعلم والعمل، فإنها لا تُصان إلا بالأخلاق؛ لأنها الحارس الذي يحمي منجزاتها، والميزان الذي يضمن عدالتها، والروح التي تبعث فيها أسباب البقاء والاستمرار.



