بقلم: د. نظير محمد عياد
ما من أمةٍ نهضت إلا حين جعلت الإنسان غايتها قبل أن تجعل العمران وسيلتها، وما أفلت شمس حضارةٍ إلا حين تراجع الإنسان فى سُلَّم أولوياتها؛ فالعمران فى جوهره ليس مظهرًا خارجيًّا، وإنما هو تجلٍّ لما يستقر فى العقل من وعي، وفى النفس من قيم، وفى الضمير من مسئولية، ومن هنا جاءت عناية الإسلام ببناء الإنسان عنايةً سبقت بناء المكان؛ لأن الإنسان هو حامل الأمانة، ومحور الاستخلاف، ووسيلة الإصلاح فى الأرض، يقول الله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً) «البقرة: 30».
ولم يكن هذا الاستخلاف تمكينًا مجردًا، وإنما تكليفًا يقتضي إعداد الإنسان إعدادًا يوازن بين الإيمان والعلم، وبين الحقوق والواجبات، وبين عمارة الدنيا وابتغاء الآخرة، ومن أجل ذلك لم يكن الوحي معنيًّا بتكوين الإنسان العابد فحسب، وإنما بتكوين الإنسان الصالح المصلح، الذي يعبد الله حق عبادته، ويؤدي رسالته فى إصلاح الحياة وإقامة العدل بين الناس، لذا لم تكن الحضارة فى التصور الإسلامي وفرةً فى الوسائل، ولا تقدمًا فى الأدوات فحسب، بقدر ما هي ثمرة إنسانٍ استقام فكره، واستنارت بصيرته، واستقامت أخلاقه، ومن هنا كان بناء الوعي أولى خطوات بناء الإنسان؛ لأنه الهادي إلى حسن الفهم، والمقوم لحركة الفكر، والحصن الذي يحول بين الإنسان وبين الغلو والانحلال، وبين التقليد الأعمى والانسياق وراء الأهواء.
فإذا غاب الوعي اختلت الموازين، وأسيء توظيف العلم، وتحولت أسباب القوة إلى أدوات للهدم، غير أن الوعي لا يثمر أثره المنشود إلا إذا تأسس على منظومةٍ أخلاقية راسخة؛ فالأخلاق ليست أمرًا زائدًا على شخصية الإنسان، وإنما هي الضابط الذي يهدي المعرفة، ويقوم السلوك، ويمنح الحرية معناها الصحيح، ولذلك لخَّص النبي صلى الله عليه وسلم غاية رسالته بقوله «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، وإذا اجتمع الوعي المستنير بالأخلاق الراسخة، نشأ الإنسان القادر على بناء المجتمع؛ إذ لا تنظر الرؤية الإسلامية إلى الفرد بمعزل عن محيطه، وإنما تجعله أساسًا لصلاح الأسرة، والأسرة أساسًا لصلاح المجتمع، والمجتمع أساسًا لقيام حضارةٍ تستمد قوتها من سلامة الإنسان قبل وفرة الإمكانات.
ومن هنا تتأكد أهمية بناء الإنسان فى عصرٍ تتسارع فيه التحولات المعرفية، وتتعدد فيه مصادر التأثير، وتتداخل فيه الحقائق بالأوهام؛ إذ لم يعد التحدي الحقيقي فى امتلاك أدوات المعرفة، وإنما فى امتلاك البصيرة التي تحسن توجيهها، والضمير الذي يمنع انحرافها، حتى تظل وسائل التقدم سبيلًا إلى عمارة الحياة، لا سببًا فى اضطرابها، ولذلك فإن العمران المادي، مهما اتسعت صوره، يظل قاصرًا ما لم يقم على عمرانٍ إنساني يضمن بقاءه واستقامته؛ فالإنسان هو الذي يمنح الحضارة روحها، ويصون منجزاتها، ويحول ما أودعه الله فى الكون من طاقات إلى أسبابٍ للخير والنماء، ولهذا يظل الاستثمار فى الإنسان أعظم استثمار، لأنه استثمار فى العقل الذي يدرك، والضمير الذي يراقب، والإرادة التي تعمل، والروح التي تسمو، فإذا صلح الإنسان، صلح العمران، واستقامت الحضارة، وأدت الأمة رسالتها فى الاستخلاف، وأسهمت فى عمارة الأرض على النحو الذي اراده الله تعالى، مصداقًا لقوله سبحانه: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) «هود: 61».



