نزلت سورة الإخلاص لتصبح دستورًا خالدًا لتعظيم قدسية معاني التوحيد، وتغرس في القلوب قوة الإيمان ويقينًا ثابتًا بأن أي عمل لا يثمر إلا إذا خلصت فيه النية لله وحده.
فما من إنجاز، وما من بطولة تُكتب بحروف من نور، إلا وكان وراءها إخلاص في العمل، وإيمان بالهدف، وصبر على الطريق. ولعل ما يحققه المنتخب المصري من إنجازات في المحافل العالمية، وعلى رأسها مشاركاته في كأس العالم، يؤكد أن الإخلاص هو مفتاح النجاح والفلاح، وأن من أخلص النية وبذل الجهد بلغ الغاية. وإذا كان الإخلاص يصنع المجد في ميادين الرياضة، فإنه في ميزان السماء يصنع النجاة والفوز برضا الله.
فما أحوجنا اليوم إلى الإخلاص في العمل والعبادة، وما أحوجنا إلى أن نُخلص القلوب للواحد الأحد، وأن نُصفي النيات من شوائب الرياء وأهواء النفس، حتى تصبح أعمالنا خالصة لوجه الله الكريم. فالإخلاص هو الذي يرفع العمل، ويمنح صاحبه السكينة، ويبدل الضيق فرجًا، والهم راحة، والشقاء سعادة في الدنيا والآخرة.
وقد سميت السورة بالإخلاص لأنها تُخلص العقيدة من شوائب الشرك، وتدعو إلى التوحيد الخالص، كما اشتهرت في كتب التفسير بأسماء عديدة، من أشهرها: سورة التوحيد، والتفريد، والتجريد، والنجاة، والولاية، والنسبة، والمعرفة، والمقشقشة، والنور، والمانعة، وغيرها.
وقد ذكر المفسرون أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربه، فأنزل الله هذه السورة العظيمة لتكون الجواب الفصل، معلنة أن الله سبحانه واحد أحد، كامل الصفات، غني عن خلقه، لا شبيه له ولا مثيل، وأن جميع الخلائق مفتقرة إليه، وهو سبحانه غني عنها جميعًا.
وقال الإمام ابن كثير إن السورة تضمنت إثبات كمال الله تعالى في ذاته وصفاته، ونفي كل نقص عنه سبحانه، بينما بين الإمام القرطبي أن اسمي «الأحد» و«الصمد» اشتملا على جميع صفات الكمال؛ فالأحد يدل على تفرده سبحانه، والصمد يدل على كماله المطلق، وافتقار الخلق إليه.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، لما اشتملت عليه من أعظم أصول العقيدة. كما ثبت أنه كان يقرأها مع المعوذتين عند النوم، وينفث في يديه، ويمسح بهما جسده الشريف. وثبت أيضًا أنه أخبر عن رجل كان يكثر قراءتها حبًا لها، فقال: «أخبروه أن الله يحبه».
غير أن كثيرًا مما يتداول في مأثورات الأقوال في فضل سورة الإخلاص، مثل أنها مكتوبة على أجنحة الملائكة، أو أن قارئها مرة ينال أجر مائة شهيد، أو أن لها عشرين اسمًا ثبتت جميعها بأحاديث مرفوعة، أو غير ذلك من الفضائل المحددة، لم يصح إسناد معظمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بين علماء الحديث أن عددًا كبيرًا منها ضعيف أو موضوع، ولذلك فإن الأمانة العلمية تقتضي الاقتصار على ما صح وثبت، ففي الصحيح من فضائلها ما يغني عن الروايات غير الثابتة.
وتبقى سورة الإخلاص مدرسة متكاملة في العقيدة، تعلم الإنسان أن الإخلاص ليس شعارًا يُردد، وإنما منهج حياة. فكما أن الرياضي المخلص يبلغ منصة التتويج، والعامل المخلص يحقق النجاح، والباحث المخلص يكتشف الجديد، فإن المؤمن المخلص ينال رضا الله؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم.
أربع آيات، لكن في حقيقتهن قارب النجاة والفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.



