أخر الأخبار

خير أجناد الأرض

حسين الطيب
حسين الطيب

ليست الأمم تُقاس بما تمتلكه من ثروات، ولا بما تشيده من مدن شاهقة، وإنما تُقاس بالرجال الذين يقفون على حدودها عندما تتعرض للخطر. وإذا كان لكل أمة رمزٌ للفداء، فإن مصر اختصها الله بجنديٍّ جعل من التضحية عقيدة، ومن الدفاع عن الوطن رسالة، حتى استحق أن يخلده التاريخ، وأن يسبقه الثناء من السماء قبل أن يكتبه المؤرخون في دفاتر الأرض.

وحين وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم جند مصر بأنهم «خير أجناد الأرض»، لم يكن ذلك مجرد مدح عابر، وإنما شهادة نبوية لجيش سيظل، عبر القرون، حارسًا للحضارة، وسيفًا للحق، ورباطًا لا ينقطع إلى قيام الساعة. وجاءت أحاديث أخرى تشير إلى «الجند الغربي» و«أهل الغرب»، وقد ذهب عدد من العلماء، ومنهم الإمام السيوطي، إلى أن المقصود بهم جند مصر، لما عُرف عنهم من الثبات في مواطن الفتن، والدفاع عن الأمة حين تتكاثر عليها الخطوب.

اقرأ أيضا| الإمام الحسين.. الجرح الذي أبكى قلب النبي

ولعل سر هذه الشهادة يكمن في أن الجيش المصري لم يكن يومًا جيش احتلال، ولم يحمل سيفه طمعًا في أرض غيره، بل حمله دفاعًا عن أرضه، وصيانة لأمته، وحماية للإنسان قبل المكان. ولذلك ارتبط تاريخه بالتحرير والسلام ورد العدوان، لا بالغزو والنهب.

وفي السنوات الماضية، قدّم الجيش المصري صفحة جديدة من دوره الوطني خلال أحداث الثلاثين من يونيو 2013. ففي لحظة فارقة من تاريخ الدولة المصرية، ومع خروج ملايين المصريين إلى الميادين مطالبين بتغيير المسار، وقف الجيش إلى جانب إرادة قطاع واسع من أبناء الشعب، معلنًا أن حماية الوطن والحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدتها هو واجبه الأول. ورأى كثيرون في ذلك امتدادًا لدوره التاريخي باعتباره درع الدولة وسندها في مواجهة الأزمات، ليبقى في وجدان المصريين رمزًا للفداء وتجسيدًا لعبارة: خير جنود الأرض... حماة خير وطن.

ومن يقرأ تاريخ مصر يدرك أن العسكرية المصرية ليست وليدة العصر الحديث، وإنما هي أول مدرسة عسكرية عرفتها البشرية. فمنذ آلاف السنين، حين وحّد الملك مينا شطري الوطن، بدأ ميلاد أول جيش نظامي منظم، لم يكن مجرد قوة مقاتلة، بل مؤسسة صنعت الدولة وحمت الحضارة.

فعندما اجتاح الهكسوس أرض الكنانة، لم تستسلم مصر، بل أنجبت سقنن رع الذي سقط شهيدًا وهو يقاتل، ثم أكمل أحمس الأول الطريق حتى طرد الغزاة، مؤكدًا أن المصري قد ينكسر جسده، لكنه لا يقبل أن تُكسر إرادته.

ثم جاء تحتمس الثالث، فكانت معركة مجدو درسًا عسكريًا لا تزال الأكاديميات الحربية تدرسه حتى اليوم، بعدما حسمها بجرأة القرار وسرعة الحركة وعبقرية المفاجأة.

وعندما حاول الأعداء تطويق مصر في قادش، حوّل رمسيس الثاني لحظة الخطر إلى نصر، لتنتهي المعركة بأول معاهدة سلام مكتوبة عرفها التاريخ، وكأن مصر كانت أول من عرف كيف ينتصر في الحرب، وكيف يصنع السلام بعد الانتصار.

ومع دخول الإسلام إلى مصر، اتسعت دائرة الرسالة، فأصبحت مصر قلب الأمة الإسلامية النابض، وأصبح جيشها درعها وسيفها. وفي حطين، كان المصريون مع صلاح الدين يصنعون لحظة فارقة أنهت أسطورة الاحتلال الصليبي وأعادت القدس إلى أهلها.

وعندما ظن لويس التاسع أن الطريق إلى الشرق يبدأ من مصر، وجد شعبًا يقاتل مع جيشه، ونساءً يدرن الدولة في أصعب لحظاتها، ورجالًا حوّلوا شوارع المنصورة إلى مقبرة لأكبر حملة صليبية عرفها ذلك العصر.

ثم جاءت عين جالوت، حيث لم تنتصر مصر وحدها، بل انتصر التاريخ كله. فقد توقفت جحافل التتار لأول مرة أمام إرادة المصريين، ليكتب قطز ورفاقه واحدة من أعظم صفحات الإنسانية.

وامتد عطاء الجيش المصري إلى بناء الدولة الحديثة، فعندما أعاد محمد علي بناء الدولة، أعاد معها بناء جيش يعرف العلم كما يعرف القتال، فحقق انتصارات متتالية، وأثبت أن الجندي المصري قادر على استيعاب أحدث فنون الحرب دون أن يفقد روحه الأصيلة.

وفي معارك العصر الحديث، من فلسطين عام 1948 إلى بورسعيد عام 1956، وقف الجيش المصري دفاعًا عن الأمة والكرامة العربية. ورغم قسوة نكسة يونيو 1967، لم تتحول الهزيمة إلى نهاية، بل كانت بداية لجيش أكثر قوة وإيمانًا واستعدادًا.

لقد فهم المصريون أن الأمم لا تُهزم إذا تمسكت بإرادتها، فبدأت حرب الاستنزاف، التي لم تكن مجرد اشتباكات عسكرية، بل معملًا لإعادة تشكيل الروح المصرية. وعلى ضفاف القناة، كانت البطولات تُكتب كل يوم، حتى أدرك العدو أن مصر لم تعد هي مصر التي عرفها في يونيو.

ثم أشرقت شمس السادس من أكتوبر. عند الساعة الثانية ظهرًا، لم يكن الجنود يعبرون قناة السويس فقط، بل كانوا يعبرون من زمن الهزيمة إلى زمن النصر. وتحطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وسقط خط بارليف، وكتب الجندي المصري واحدة من أعظم الملاحم العسكرية في التاريخ الحديث.

ولم يكن السلاح وحده هو الذي انتصر، بل انتصر الإيمان والتخطيط والصبر الذي امتد ست سنوات كاملة منذ النكسة حتى لحظة العبور. وكان الجندي المصري، الفلاح والعامل والطالب، بطل تلك الملحمة التي أثبتت أن الإنسان المصري، إذا آمن بقضيته، فلا حصن يستعصي عليه، ولا قوة تمنعه من استرداد حقه.

وفي أوقات الحروب، تصبح وحدة الصف فريضة وطنية لا تقل أهمية عن حمل السلاح؛ فالجنود الذين يقاتلون على الجبهة ينتظرون من خلفهم شعبًا موحدًا يؤمن بقضيته ويساند جيشه حتى يعود بالنصر.

لقد تغيرت أدوات الحروب، وأصبحت الكلمة أحيانًا أشد خطرًا من الرصاصة، والشائعة أخطر من المدفع، لكن بقيت حقيقة واحدة لا تتغير، وهي أن الجيش المصري سيظل السور الذي يحمي الدولة، والدرع الذي يصون الوطن، والعين الساهرة على أمنه واستقراره.

ولذلك لم تكن عبارة «خير أجناد الأرض» مجرد لقب يتردد في الخطب والاحتفالات، وإنما حقيقة أكدتها آلاف السنين، وصدقتها ميادين القتال، وشهدت بها دماء الشهداء، فكتبها التاريخ بحروف من نور.

وستظل مصر، ما بقيت الدنيا، تنجب رجالًا إذا دعا الوطن لبّوا النداء، وإذا استغاثت الأرض وقفوا كالجبال، وإذا كُتب عليهم القتال كتبوا مع كل معركة فصلًا جديدًا من المجد، لتبقى راية مصر خفاقة، ويبقى جيشها دائمًا... خير جنود الأرض.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا