قلَّ أن نجد في تاريخ الأولياء والصالحين شخصيةً أثارت من الجدل ما أثارته شخصية السيد أحمد البدوي؛ فقد اجتمع حوله من المحبة ما لم يجتمع لكثيرين، كما أُحيط بسيلٍ من الحكايات والاتهامات التي تناقلها الناس جيلًا بعد جيل، حتى اختلط في سيرته التاريخ بالأسطورة، والرواية الموثقة بخيال العامة.
اقرأ أيضًا| الحفيد الفريد.. "السيد البدوي" أبو الفتيان
وبين هذه الصورة وتلك، يبرز سؤالٌ يستحق البحث: من هو أحمد البدوي الذي أجمع كبار علماء عصره على صلاحه وولايته، في حين نسبت إليه العامة ما لا يليق بمقامه؟ وكيف تحولت حياة رجلٍ شهد له الأئمة بالعلم والزهد والعبادة إلى مادةٍ للقصص والخرافات؟
هذا المقال لا يسعى إلى صناعة صورةٍ مثالية، ولا إلى هدم صورةٍ شائعة، وإنما يحاول قراءة سيرة أحد أحفاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خلال المصادر التاريخية المعتمدة، وشهادات العلماء الذين عاصروه أو ترجموا له، ليقترب القارئ من شخصيةٍ كان لها أثرٌ بالغ في تاريخ التصوف الإسلامي، وظلت سيرتها حاضرةً في وجدان المصريين والعالم الإسلامي على مرّ القرون.
وفي الوقت ذاته، يتساءل البعض: «لماذا تُحاك حوله تلك الحكايات والخرافات، وتُكال له الاتهامات؟»، وذلك على الرغم من شهادة شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وكثيرين غيره، ممن شهدوا له بالتقوى والصلاح، وقوة الإرادة، وحسن السيرة، والعزيمة، وشرف النسب؛ فهو، كما ثبت في كتب التاريخ، حفيد سيد الخلق إلى يوم الدين، رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، حيث يمتد نسبه الشريف إلى سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهم رضوان الله جميعًا.
والحقيقة أن طبيعة السيد أحمد البدوي الفريدة، المتفردة في أسلوبها، جعلت من خيال العامة والجهلاء مسلكًا سريعًا لنسج الحكايات.
فقد وجدنا في تنقيبنا عن حياة الشريف أحمد البدوي أنه ذو صفات لم تكن لأحدٍ غيره قبله أو بعده؛ فهو الوحيد الذي اتُّهم بمثل هذه الاتهامات، وهو وحده من العارفين بالله الذي جاء بالأسرى المصريين أثناء الحملة الصليبية على مصر، بعد لجوء إحدى الأمهات إليه.
وهو، دون غيره، الذي كان يستطيع الصوم عن الطعام والشراب أربعين يومًا متصلة، وهو فقط الذي كان يُطيل النظر إلى السماء لساعات عدة، حتى قالت عنه أخته إن عينيه كانتا تتحولان من السواد إلى الاحمرار كالجمر، من طول شخوص بصره إلى السماء.
كما أنه كان ملثمًا بلثامين ظلّا يغطيان وجهه طوال عمره، مما أضفى عليه الغموض، وبما أن الناس، منذ خلقهم الله، شغوفون ملهوفون لكشف الغموض أو إضفائه على شيء ما، فقد كان سيدنا أحمد البدوي صاحب حكايات ومواقف فريدة من نوعها في تاريخ العارفين بالله وأهل التصوف.
فكانوا يغزلون من مواقفه حكاياتٍ للسَّمَر في مجالس الجهلاء، على الرغم من أن علمه بلغ درجةً لم يصل إليها أحد، حتى شهد له علماء وأقطاب الصوفية بأنه عميد عمداء التصوف على مرّ التاريخ.
وقد وُلِد أحمد البدوي عام 596 هـ بمدينة فاس بالمغرب، وكان قد حفظ القرآن كله، ثم قرأ شيئًا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، واشتهر بـ«العطّاب» لكثرة عطبه لمن يؤذيه، وكان إذا عرض له الحال يصيح صياحًا عظيمًا متواصلًا.
وكان أجداده الشرفاء قد انتقلوا، أيام الحجاج بن يوسف، إلى أرض المغرب، لما كثر القتل في الأشراف، ولما بلغ سبع سنين، سمع أبوه قائلًا يقول له في منامه: «يا علي، انتقل من هذه البلاد إلى مكة».
وانتقل بعائلته، وتوفي بمكة بعد فترة قصيرة قال الشريف السيد حسن، أخو أحمد البدوي: «توفي والدنا رحمه الله تعالى، فأقمت أنا وإخوتي، وكان أحمد أصغرنا سنًّا، وأشجعنا قلبًا، وأحفظنا لكتاب الله تعالى، وكان لكثرة تلثمه سميناه بالبدوي، وكان أشجع فتيان مكة، أحب الفروسية والخيل والمنازلة، واشتهر بشجاعته، وسماه فرسان مكة "أبو الفتيان"، لشدة شبهه بالسيد عليٍّ، كرّم الله وجهه، في فتوته وأخلاقه وشجاعته».
ثم اتخذ من جبل أبي قبيس بمكة المكرمة خلوةً لعبادته ومناجاة ربه، وخرج من خلوته مرتحلًا إلى العراق عام 633 هـ، لزيارة مقامي السيدين الرفاعي والجيلاني رضي الله عنهما، ثم عاد إلى مكة سنة 635 هـ، حتى أتاه الأمر بالانتقال إلى طندتا (طنطا)، فاستقبله أهلها بالحب والترحاب.
ولما وصل إلى طندتا، دخل إلى دار ابن شحيط، شيخ البلد، فصعد إلى سطح غرفته، وأقام فوق السطح نحو اثنتي عشرة سنة، وكان يمكث الأربعين يومًا فأكثر، لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر.
ومن هنا كان الناس يقولون: «فلان من أصحاب السطح»، ويقولون: «سيدي أحمد السطوحي».
فقد عاش على السطح، لا يظله سقف ولا يحجبه شيء عن السماء، حتى سموه «السطوحي»، وهي إشارة ظاهرية إلى معنى باطني جميل يسميه أهل الطريق «عيسوي المقام».
وكان يربي المريدين والسالكين حتى يستقيموا، فيرسلهم للدعوة في ربوع مصر والشام والعراق واليمن ومكة والمغرب وكان أهل عصره يلقبونه بـ«بحر العلوم»، وله كرامات لا تُعدّ، فهو بحر بلا قرار، وتعتمد طريقته على كثرة الذكر والعبادات والمجاهدات والقيام والأوراد.
وعاصر من الحكام الملك الكامل، والعادل، والصالح أيوب، وشجرة الدر، والمعز أيبك، والمنصور، وقطز، والظاهر بيبرس وكان الظاهر بيبرس يحبه ويزوره ويعتقد في ولايته وبركته، حتى قيل في دائرة المعارف الإسلامية إنه كان يقبل قدميه.
وحضر معركة المنصورة ومريديه، التي انتهت بهزيمة الصليبيين بلا رجعة في المنصورة، وقد ظهرت له كرامات شهيرة بإتيانه بالأسرى في قيودهم، فتغنت مصر كلها بذلك، وصار تراثًا للشعب المصري إلى الآن، لا ينكره إلا جاهل: «الله الله يا بدوي، جاب الأسرى».
وقد أثبت هذه الكرامة الشعراني في ترجمته عن أحمد البدوي رضي الله عنه، وأثبتها السيوطي كذلك، ولُقِّب بعدها بلقب «جيّاب الأسير»، وهو أحد ألقابه التسعة والثلاثين التي اشتهر بها لدى العلماء.



