بقلم/ د. رهام سلامة
على امتداد التاريخ المصري، كانت المرأة المصرية شريكًا أصيلًا فى صناعة الحضارة وبناء المجتمع، ولم تتوقف إسهاماتها عند حدود الأسرة أو الحياة الاجتماعية، بل امتدت إلى ميادين العلم والفكر والسياسة والثقافة، ومن بين الأسماء التي سطعت فى سماء العلم وبقيت خالدة رغم قصر عمرها، يبرز اسم العالمة المصرية سميرة موسى، التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة مرموقة بين علماء الفيزياء النووية فى العالم، وأن تصبح رمزًا للإرادة والطموح والعلم.
نستأنف ما سبق ذكرناه من أساتذة وزملاء ماري كوري مصر فقد أنجزت رسالة الدكتوراه خلال سبعة عشر شهرًا فقط، في وقت كان إنجازها يحتاج عادة إلى سنوات أطول.
اقرأ أيضًا: ماري كوري مصر - رحلة استثنائية من قرية صغيرة إلى العالمية! 1
وأجمع أساتذتها في بريطانيا على وصفها بالعبقرية العلمية، حتى إن أستاذها البروفيسور «ملينت» أطلق عليها لقب «ماري كوري المصرية»، تشبيهًا لها بالعالمة الفرنسية الشهيرة التي تعد من أعظم علماء الفيزياء في التاريخ.
وبحصولها على الدكتوراه أصبحت سميرة موسى أول مصرية وعربية تنال درجة الدكتوراه في مجال الإشعاع الذري، لتسجل اسمها بحروف من نور في سجل العلم العربي.
وخلال فترة وجودها في أوروبا لم تتوقف عن البحث والتجريب، فقد واصلت العمل على دراسات متقدمة توصلت من خلالها إلى معادلة تساعد على تفتيت ذرات المعادن الرخيصة واستخدامها في التطبيقات النووية، وكانت ترى أن امتلاك المعرفة النووية لا ينبغي أن يظل حكرًا على الدول الكبرى، بل يجب أن يكون متاحًا للدول النامية أيضًا من أجل تحقيق التوازن وحماية السلام العالمي.
لكن حلمها الأكبر لم يكن صناعة السلاح، بل توظيف الطاقة النووية لخدمة الإنسان، ولذلك بقيت عبارتها الشهيرة شاهدة على إنسانيتها ورؤيتها المستقبلية عندما قالت:
«أتمنى أن يكون العلاج النووي للسرطان متاحًا كالأسبرين».
ولم يكن هذا مجرد شعار، بل هدفًا عملت من أجله بجدية. فقد ساهمت في دعم علاج مرضى السرطان، وسعت إلى إعداد كوادر علمية مصرية متخصصة في العلوم النووية، كما لعبت دورًا مهمًا في وضع اللبنات الأولى لبعثة الطاقة الذرية المصرية عام 1948.
كما أسهمت في تنظيم مؤتمر «الذرة من أجل السلام» الذي مثل خطوة مهمة نحو الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وهي الجهود التي مهدت لاحقًا لتأسيس هيئة الطاقة الذرية المصرية بصورة رسمية عام 1955.
وكانت سميرة موسى تدرك مبكرًا أهمية البعد النووي في الصراعات الدولية والإقليمية، وتتابع عن كثب التطورات التي تشهدها المنطقة، وقد جعلها هذا الوعي الوطني تسعى إلى امتلاك مصر والعالم العربي للمعرفة العلمية المتقدمة التي تضمن لهما مكانة قوية ومستقلة.
وفي عام 1952 سافرت إلى الولايات المتحدة لاستكمال أبحاثها العلمية والمشاركة في عدد من الأنشطة الأكاديمية، وهناك تلقت دعوة لزيارة أحد المعامل النووية في ولاية كاليفورنيا يوم الخامس من أغسطس، لكن تلك الرحلة لم تكتمل، ففي الطريق إلى المعمل تعرضت السيارة التي كانت تقلها لحادث اصطدام مروع مع شاحنة كبيرة، ما أدى إلى وفاتها على الفور، وبعد الحادث تبيّن أن الدعوة التي تلقتها لم تكن حقيقية، الأمر الذي فتح الباب أمام العديد من التساؤلات والشكوك.
ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، ما زالت ملابسات وفاة سميرة موسى تثير الجدل، فهل كان الحادث قضاءً وقدرًا؟ أم أن العالمة المصرية كانت ضحية عملية مدبرة استهدفت علمها وطموحها ومشروعها العلمي؟
اقرأ أيضًا: فاطمة شيخ - رائدة التعليم الهندية ٢
رحلت سميرة موسى وهي في أوج عطائها، لكنها تركت وراءها إرثًا علميًا وإنسانيًا كبيرًا، فقد أثبتت أن العلم لا يعرف جنسًا أو حدودًا، وأن المرأة المصرية قادرة على اقتحام أصعب المجالات العلمية وتحقيق إنجازات ترفع اسم وطنها عاليًا.
وبقيت سيرتها الملهمة شاهدًا على قيمة العلم، وأهمية دعم الموهبة، ودور الأسرة الواعية والمؤسسات التعليمية في صناعة النماذج القادرة على تغيير التاريخ، وبعد أكثر من سبعين عامًا على رحيلها، لا يزال اسم سميرة موسى حاضرًا في الذاكرة العربية بوصفها واحدة من أبرز العالمات اللاتي أنرن طريق الأجيال، وأثبتن أن الأحلام الكبيرة تبدأ أحيانًا من قرية صغيرة، لكنها قادرة على الوصول إلى العالم كله.



