بقلم/ د. رهام سلامة
على امتداد التاريخ المصري، كانت المرأة المصرية شريكًا أصيلًا في صناعة الحضارة وبناء المجتمع، ولم تتوقف إسهاماتها عند حدود الأسرة أو الحياة الاجتماعية، بل امتدت إلى ميادين العلم والفكر والسياسة والثقافة، ومن بين الأسماء التي سطعت في سماء العلم وبقيت خالدة رغم قصر عمرها، يبرز اسم العالمة المصرية سميرة موسى، التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة مرموقة بين علماء الفيزياء النووية في العالم، وأن تصبح رمزًا للإرادة والطموح والعلم.
ولدت سميرة موسى علي أبو سليمة في الثالث من مارس عام 1917 بقرية سنبو الكبرى التابعة لمحافظة الغربية جاءت إلى الدنيا في فترة كانت مصر تعيش فيها تحولات سياسية ووطنية كبرى، وهو ما انعكس بصورة واضحة على تكوين شخصيتها. فمنذ طفولتها بدت مختلفة عن أقرانها؛ طفلة شغوفة بالمعرفة، محبة للقراءة، كثيرة التساؤل، تتابع ما يدور حولها باهتمام لافت.
اقرأ أيضًا: فاطمة شيخ - رائدة التعليم الهندية ٢
كان والدها من الرجال الوطنيين المثقفين الذين أدركوا مبكرًا أن ابنته تمتلك قدرات استثنائية، لاحظ سرعة استيعابها لما تقرأه في الصحف والمجلات، وقدرتها المذهلة على حفظ المعلومات وإعادة سردها أمام الحاضرين في المجالس العامة وفي المدرسة، لذلك لم يتردد في تقديم كل أشكال الدعم لها، مؤمنًا بأن مستقبلًا كبيرًا ينتظرها.
ولم يكن الأب وحده من آمن بموهبتها، فقد لفتت انتباه معلمها سيد بكري الذي نصح الأسرة بالانتقال إلى القاهرة بعد انتهاء المرحلة الابتدائية حتى تحظى الطفلة النابغة بفرص تعليمية أفضل، استجابت الأسرة للنصيحة، وانتقلت إلى العاصمة، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرة التفوق.
في القاهرة التحقت سميرة بمدرسة قصر الشوق في حي الحسين، وهناك استمرت في تحقيق نتائج دراسية مبهرة جعلتها محط أنظار الجميع، وبعدها انتقلت إلى مدرسة الأشراف الثانوية التي كانت تديرها الرائدة التربوية والنسوية نبوية موسى، إحدى أبرز الشخصيات الداعمة لتعليم المرأة في مصر.
وقد نشأت بين التلميذة النابغة ومديرة المدرسة علاقة مميزة قائمة على الاحترام والتقدير، وعندما اشتكت سميرة من عدم وجود معمل للتجارب العلمية في مدرستها ورغبت في الانتقال إلى مدرسة أخرى، سارعت نبوية موسى إلى تلبية طلبها، إدراكًا منها لأهمية توفير البيئة العلمية المناسبة لطالبة تحمل كل هذه الموهبة.
وخلال سنوات الدراسة لم تكتفِ سميرة بالتفوق الأكاديمي فحسب، بل أظهرت قدرات علمية مبكرة لافتة للنظر، فقد قامت بتبسيط منهج الجبر الذي كان يمثل صعوبة لكثير من زميلاتها، ثم أعدت كتابًا بعنوان «كتاب الجبر الحديث، الجزء الأول»، وعندما طلبت من والدها طباعة ثلاثمائة نسخة منه، لم يتردد في تنفيذ رغبتها، فكان ذلك الإنجاز المبكر مؤشرًا واضحًا على أن مصر أمام عقل علمي استثنائي.
بعد حصولها على شهادة البكالوريا، التحقت بكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة حاليًا، لتبدأ رحلة جديدة من التحديات والإنجازات، وفي وقت كانت فيه دراسة العلوم المتقدمة حكرًا على الرجال تقريبًا، استطاعت سميرة أن تفرض نفسها بجدارتها العلمية وتفوقها اللافت.
واجهت الشابة المصرية عقبات عديدة خلال سنوات الجامعة، لكنها نجحت في تجاوزها جميعًا، وبعد تخرجها أصبحت أول امرأة تُعيَّن معيدة في كلية العلوم، كما كانت أول مصرية تتخصص في مجالي الذرة والإشعاع النووي، وهو إنجاز غير مسبوق في ذلك الوقت.
وكان من أبرز الداعمين لها العالم المصري الكبير الدكتور علي مصطفى مشرفة، عميد كلية العلوم آنذاك، فقد أدرك منذ البداية حجم موهبتها العلمية، وآمن بقدرتها على تحقيق إنجازات كبيرة، وعندما اصطدمت رغبة تعيينها كمعيدة ببعض العراقيل المرتبطة بصغر سنها، تمسك مشرفة بقراره، بل وكتب مذكرة إلى وزير المعارف يطالب فيها بتعيينها، وأرفق معها استقالته من عمادة الكلية إذا لم يُستجب لطلبه.
في عام 1942 حصلت سميرة موسى على درجة الماجستير في موضوع «التأثير الحراري للغازات»، وتضمنت رسالتها أفكارًا علمية متقدمة للغاية بالنسبة لعصرها، إذ تحدثت عن إمكانية أن يؤدي تكثيف ذرات بعض الغازات إلى إنتاج تأثير حراري هائل قادر على تدمير مدن كاملة، ولم يدرك كثيرون آنذاك أبعاد ما طرحته، لكن بعد سنوات قليلة، ومع وقوع كارثتي هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية، بدأ العالم يفهم مدى عمق الرؤية العلمية التي امتلكتها العالمة المصرية الشابة.



