كتب/ محسن جود
على مدى أكثر من قرن من الزمان، ظلت ساحة آل الطيب بالبر الغربي في الأقصر حاضرة في حياة الناس، بينما بقي جانب كبير من عالمها بعيدًا عن عدسات الكاميرات وصفحات الصحف يعرفها البعض باعتبارها ساحة صوفية، ويعرفها آخرون لأنها بيت فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أما أبناء الصعيد فيعرفونها بصورة مختلفة؛ بيتًا مفتوحًا لا تُغلق أبوابه، ومقصدًا لطالبي النصيحة، وأصحاب الخصومات، وذوي الحاجات.
لماذا تحولت الساحة من مجلس علم إلى مؤسسة مجتمعية تمتد أدوارها إلى المصالحات، ورعاية المحتاجين، وإطعام الوافدين، واستقبال آلاف الزائرين من الداخل والخارج؟ ولماذا تحظى الكلمة التي تصدر من داخلها بكل هذا القدر من الثقة لدى الناس؟ هل يرجع ذلك إلى مكانة الإمام الأكبر، أم إلى مدرسة أقدم أرست دعائمها أجيال متعاقبة من آل الطيب، بدأت مع الجد الشيخ أحمد الطيب، ثم واصلها الأب، قبل أن تمتد آثارها إلى الحاضر؟
كانت هذه الأسئلة وغيرها نقطة البداية لهذا الملف، الذي جاء ثمرةً للمعايشة الميدانية، واللقاءات، والتسجيلات، والاستماع إلى شهادات رجال الساحة وأبنائها، وإلى أناس ساقتهم الأقدار إليها، فخرجوا منها بحكايات ربما تُروى للمرة الأولى، لا يقدم هذا الملف مديحًا، ولا يكتب سيرة ذاتية، ولا يتبنى موقفًا مسبقًا، وإنما يحاول الاقتراب من الساحة كما هي؛ يرصد، ويسأل، ويقارن، ثم يترك الوقائع تتحدث.
وعلى مدار أربع حلقات، يقترب الملف من عالم ساحة آل الطيب من زوايا متعددة؛ يبدأ بالساحة بوصفها مؤسسة صنعت حضورها في المجتمع، ثم ينتقل إلى حوار مع الشيخ محمد الطيب حول التصوف ومدرسته العلمية، قبل أن يفتح ملف المصالحات، ذلك الدور الذي جعل الساحة وسيطًا للسلام في كثير من قرى الصعيد، ويختتم بالوجه الإنساني للمكان من خلال حكايات أناس التقوا بالساحة في لحظات ضعفهم أو احتياجهم.
لم يكن يوم جمعة، وهو اليوم الذي تبلغ فيه ساحة آل الطيب ذروة ازدحامها، ومع ذلك لم تهدأ الحركة داخل المكان؛ رجال ونساء، شيوخ وشباب، وفود جاءت من الأقصر وقنا وسوهاج وأسوان، ومن قرى لا يعرفها إلا أهلها، يدخل الجميع من البوابة نفسها، ويجلسون فى المكان نفسه، ثم يتفرق كل منهم إلى وجهته؛ فهذا ينتظر لقاء الشيخ، وذاك جاء طالبًا للصلح، وثالث يحمل ملفًا لمشكلة أسرية، ورابع لا يريد أكثر من وجبة طعام وكلمة طيبة قبل أن يعود إلى بيته.
اقرأ أيضًا: المجالس العُرفية مقصد شرعي لرأب الصدع المجتمعي
بعد أيام قليلة من مغادرة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب إلى القاهرة، بدا واضحًا أن الساحة لا تعيش على وجود شخص، مهما بلغت مكانته، وإنما على منظومة استقرت عبر عشرات السنين، حتى أصبحت قادرة على إدارة يومها بإيقاع لا يتغير كثيرًا.
فهنا لا تشعر أنك أمام مقر لطريقة صوفية بالمعنى المتعارف عليه، ولا أمام جمعية خيرية، ولا مجلس عرفى لحل الخصومات، ولا زاوية للذكر فحسب، وإنما أمام كيان يجمع كل ذلك فى وقت واحد، حتى يصعب وضعه فى تعريف واحد.
عدالة الساحة
دخلت الساحة هذه المرة لا بوصفى زائرًا يعرف المكان منذ سنوات، وإنما بوصفى صحفيًا يحمل سؤالًا واحدًا: كيف تحولت ساحة صغيرة، بدأت قبل أكثر من قرن، إلى واحدة من أكثر المؤسسات الأهلية حضورًا فى حياة الناس بالصعيد؟
لم يكن السؤال عن التصوف وحده، بل عن المجتمع الذي تشكل حوله؛ كيف أصبحت كلمة تخرج من هذه الساحة كافية لإيقاف خصومة؟ وكيف تحولت موائد الطعام إلى مساحة يلتقي عليها الغني والفقير دون أن يسأل أحدهما الآخر من أين جاء؟ وكيف اكتسبت الساحة هذا الرصيد من الثقة الذي يجعل مسلمًا ومسيحيًا، ومصريًا وأجنبيًا، يلجأون إليها مطمئنين إلى عدالة ما يصدر عنها؟
لم يكن الوصول إلى الإجابة سهلًا، فقد كان أول ما قاله الشيخ محمد الطيب عندما علم أن الزيارة تحمل طابعًا صحفيًا: «أهلًا بك زائرًا وصديقًا.. أما صحفيًا فللأسف لدينا تحفظات»، كانت جملة قصيرة، لكنها عكست فلسفة كاملة؛ فالساحة لم تعتد الحديث عن نفسها، ولا تسعى إلى تقديم كشف حساب لما تقوم به، معتبرة أن العمل فى خدمة الناس لا يحتاج إلى ضجيج.
واحتاج الأمر إلى وقت حتى تحولت الجلسة من التحفظ إلى الحوار، ومن الحوار إلى محاولة لفهم عالم ظل مغلقًا أمام الإعلام سنوات طويلة، ولولا بقية من علاقة قديمة تجمعني بالشيخ، لربما باءت محاولة إخراج هذا الملف بالفشل.
الحقيقة أنك بمجرد أن تتجول داخل الساحة، تكتشف أن لكل ركن فيها وظيفة؛ ففى ناحية مجلس علم يشرح فيه أحد المشايخ حديثًا نبويًا، وفى ناحية أخرى يجلس رجلان يتحاوران بهدوء حول خلاف عائلي، وفى المطبخ تُجهز عشرات الوجبات قبل موعد الطعام، بينما تنتظر فى مكتب آخر ملفات لحالات اجتماعية قيد الدراسة، أما فى الفناء الخارجي فتصل وفود وتغادر أخرى، فيما يستقبل الخدام الجميع بالوجه نفسه؛ فلا أحد يسأل القادم: من أنت؟ أو لماذا جئت؟ وربما لهذا السبب تبدو الساحة أقرب إلى بيت كبير يحتضن الجميع منها إلى مؤسسة بالمعنى التقليدي.
وفى مساء الخميس، وقبل بدء حلقة الذكر، تسلّم مسئول المطعم كشفًا يوضح أن نحو 600 شخص تناولوا وجبة العشاء أرقام كهذه لا تبدو استثنائية للعاملين فى الساحة، بل تعد يومًا عاديًا، بينما تتجاوز الأعداد ألف زائر فى المواسم وأيام الجمعة.
والمثير أن كثيرين يقطعون عشرات الكيلومترات من أجل هذه الزيارة، رغم أن تكلفة انتقالهم قد تتجاوز قيمة الوجبة نفسها، وعندما سألت أحد القائمين على المكان عن سر ذلك، ابتسم قائلًا: «الناس لا تأتي من أجل الطعام وحده.. البركة هي التي تأتي بهم».
لكن الطعام ليس سوى وجه واحد من الحكاية؛ فالجلوس على مائدة واحدة يعكس فلسفة أعمق، تقوم على إزالة الفوارق بين الناس، وهي الفلسفة نفسها التي تفسر قدرة الساحة على جمع خصوم ظلوا سنوات لا يتبادلون السلام، ثم يغادرونها وقد انتهت خصومتهم هنا لا يتحدث أحد عن النفوذ، وإنما عن الثقة؛ ثقة لم تصنعها الخطب، بل رسختها عشرات السنين من المواقف التي رأى الناس فيها أن الحق يسبق القرابة، وأن العدل يتقدم على المجاملة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن أبواب الساحة لا تقتصر على أبناء الطريقة أو مريديها؛ فمن بين روادها مزارعون وموظفون وأساتذة جامعات وعمال، بل وسياح أجانب يقيم بعضهم فى البر الغربي منذ سنوات.
ويروي أبناء القرنة عشرات الوقائع التي لجأ فيها أجانب إلى الشيخ محمد الطيب لحل نزاعات مالية أو اجتماعية، بعدما وجدوا أن الكلمة التي تصدر من الساحة أضمن لديهم من سنوات طويلة فى أروقة المحاكم، وهكذا تحولت الثقة إلى رأس المال الحقيقي للمكان.
ورغم كل ذلك، فإن من يختزل الساحة فى العمل الخيري أو يحصرها فى التصوف يظلمها، فهي قبل كل شيء مدرسة تربوية تؤمن بأن تهذيب الإنسان يسبق إصلاح المجتمع، وأن بناء الضمير هو الطريق الأقصر لبناء العلاقات بين الناس؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يقول الشيخ محمد الطيب خلال الحوار: «شغل الساحة أن تجمع الناس وتمحو الفوارق بينهم»، وهي عبارة تبدو بسيطة، لكنها ربما تلخص مشروعًا امتد لأكثر من قرن.
حكاية خصومة
وخلال الأيام التي قضيتها بين جنبات الساحة، اكتشفت أن الحكايات هنا أكثر من أن تُحصى؛ حكاية خصومة انتهت قبل أن تُراق قطرة دم، وحكاية مستشار مسيحي خرج من مجلس عرفى وهو يؤكد أنه وجد عدالة لم يكن يتوقعها، وحكاية سائحة أجنبية وجدت من يقف إلى جوارها فى غربتها، وحكاية فتاة فقيرة كانت رحلة علاج شقيقتها بداية علاقة جديدة مع المكان.
كل حكاية من هذه الحكايات تصلح وحدها لأن تكون تحقيقًا مستقلًا، لكنها حين تجتمع ترسم صورة مختلفة لساحة اختارت أن يكون أثرها فى الناس هو اللغة التي تتحدث بها.
وفى الحلقات المقبلة، نقترب أكثر من قلب هذه التجربة.



