الأخلاق ضرورة حياتية - وفريضة دينية

د. نظير محمد عياد مفتي الديار المصرية
د. نظير محمد عياد مفتي الديار المصرية

بقلم/ د. نظير محمد عياد

إن المتأمل فى مسيرة الإنسان، واستقراء السنن التي حكمت نشأة الحضارات وازدهارها وأفولها، يكتشف حقيقةً لا تكاد تقبل الجدل، وهي أن الأخلاق ليست ثمرةً للعمران، وإنما هي شرط قيامه، وأساس بقائه، وضمان استمراره، فالحضارات لا تنهض بقوة المادة وحدها، ولا بما تملكه من أدوات العلم والتقنية، وإنما تنهض حين تستند إلى منظومة من القيم تضبط حركة الإنسان، وتهذب علاقاته، وتوجه قدراته نحو الخير والصلاح.

 ولما كانت الشريعة الإسلامية قد جاءت بحفظ مصالح الإنسان فى دينه، ونفسه، وعقله، ونسله، وماله، فإن التأمل فى هذه المقاصد يكشف أن الأخلاق هي الروح التي تسري فيها جميعًا؛ فحفظ الدين لا ينفصل عن الصدق والإخلاص، وحفظ النفس لا يتحقق إلا بالرحمة، وحفظ العقل يقوم على الأمانة، وحفظ المال لا يستقيم إلا بالنزاهة، كما أن حفظ النسل لا يقوم إلا على العفة والوفاء وتحمل المسؤولي، ومن ثم، فالأخلاق ليست إطارًا خارجيًا للشريعة، بل هي روحها الحاكمة، وميزانها الذي تنتظم به مقاصدها وتتكامل، وليس ذلك مجرد استنباط نظري، بل تؤكده نصوص الوحي، إذ يقول الحق سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، ويقول جل شأنه ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، كما يخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه «ما من شيء أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق» وبذلك يتبين أن الأخلاق فى التصور الإسلامي ليست فضائل تكميلية، وإنما أصل من أصول الدين، وقاعدة من قواعد العمران. 

اقرأ أيضًا: بناء الإنسان - أساسُ العمران وصناعة الحضارة

أخي القارئ الكريم 
إن الإنسان لا يفقد قدرته على البناء بسبب نقص المعرفة وحدها، وإنما بسبب اضطراب المنظومة القيمية التي توجه المعرفة وتحدد غاياتها؛ فالأخلاق ليست خطابًا وعظيًا مجردًا، وإنما قوة حضارية تحول العلم إلى عمل، والعمل إلى إنجاز، والإنجاز إلى رسالة نافعة، ولهذا فإن المجتمع الذي يراكم أسباب القوة المادية دون أن يؤسسها على قاعدة أخلاقية راسخة، يشبه من يقيم بنيانًا شامخًا على أساسٍ متصدع، وكلما ارتفع البناء، ازداد خطر سقوطه، ولعل واقع الحضارة المعاصرة خير شاهد على ذلك؛ فقد حققت الإنسانية إنجازات علمية وتقنية غير مسبوقة، غير أنها ما تزال تعاني أزمات متفاقمة فى مجالات متعددة، وهذه المفارقة تؤكد أن التقدم العلمي لا يحمل فى ذاته ضمانة أخلاقية، وأن المعرفة أداة تتحدد قيمتها بالغاية التي تُوجَّه إليها، فالعقل الذي ينتج الدواء قادر على إنتاج السلاح، والذي يطور تقنيات الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجعلها سبيلًا لخدمة الإنسان أو وسيلةً للإضرار به، ومن هنا لم يعد السؤال الأهم ماذا نستطيع أن نفعل، وإنما ما الذي ينبغي أن نفعله، وهو سؤال أخلاقي قبل أن يكون علميًا أو تقنيًا. 

إن أخطر ما يصيب الأمم، عزيزي القارئ، ليس فقر الموارد ولا تأخر الصناعة، وإنما انهيار معيارها الأخلاقي؛ فحين يصبح الغش صورةً من صور الذكاء، والخيانة لونًا من ألوان المصلحة، والكذب مهارة، والأنانية فلسفةً للحياة، تكون عوامل السقوط قد بدأت تعمل فى أعماق المجتمع، مهما بدا قويًا فى ظاهره،  أما إذا بقي الضمير حيًا، وظلت القيم حاكمة، فإن الأمة تظل قادرة على النهوض من عثراتها؛ لأن الإنسان صاحب الخلق هو الثروة الحقيقية، وأعظم استثمار فى مستقبل الحضارات، ولهذا فإن إعادة بناء الإنسان أخلاقيًا ليست مشروعًا تربويًا محدودًا، وإنما هي المشروع الحضاري الأكبر الذي تتكامل فيه الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والمنبر الديني والإعلامي، وسائر مؤسسات الدولة والمجتمع، فما لم تستعد القيم مكانها فى الوعي والسلوك، ستظل خطط الإصلاح تدور فى حلقة مفرغة؛ لأن الأخلاق ليست زينةً تُضاف إلى العمران بعد اكتماله، بل هي الأساس الذي يقوم عليه، وليست قيدًا على الحرية، بل الضمانة التي تصونها من الانفلات، وتحول القوة إلى عدل، والعلم إلى رحمة، والإنسان إلى صانعٍ للحضارة. 
وللحديث بقية

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا