الهجرةُ النَّبويَّةُ: نقطةُ تَّحوُّلِ في تاريخِ الإسلام

د. أسامة هاشم الحديدي مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
د. أسامة هاشم الحديدي مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية

بقلم/ د. أسامة هاشم الحديدي

مِن أهمِّ الأحداثِ الفاصلةِ في التَّاريخِ الإسلاميِّ الهجرةُ النَّبويَّةُ الشَّريفةُ؛ فلم تكن هجرةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مجرَّدَ انتقالٍ جغرافيٍّ من بلدٍ إلى بلدٍ، من بلدٍ اضطهدتْ فيه قريشٌ النَّبيَّ الكريمَ وأصحابَه، بل كانت هذه الهجرةُ نقطةَ تحوُّلٍ استراتيجيَّةً بَنَتْ أساسَ المجتمعِ الإسلاميِّ، وغيَّرتْ مجرى التَّاريخِ الإنسانيّ.

ولم يكن خروجُ سيِّدِنا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من مكَّةَ مفاجئًا، بل كان قرارًا له ملابساتُه السَّابقةُ عليه، فبعد أن اشتدَّ إيذاءُ قريشٍ للنَّبيِّ وأصحابِه، كان المسلمون بحاجةٍ إلى أرضٍ خصبةٍ تضمنُ لهم حرِّيَّةَ العبادةِ ونشرَ الدَّعوةِ دون خوفٍ أو تهديد. 

اقرأ أيضًا: الاعتدال - كفضيلةٍ إنسانيَّةٍ وسِمَةٍ دينيَّة 

فبدأ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، يخطِّطُ لهذه الهجرةِ تخطيطًا دقيقًا وحكيمًا، فبدأ بالسِّرِّيَّةِ التَّامَّةِ التي فرضها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، على هذه الرِّحلةِ، ومرورًا باختيارِ الصَّاحبِ فيها، وهو أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، وموعدِ إعلامِه بها، وانتهاءً بتوزيعِ الأدوارِ على المشاركين فيها؛ فنام عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه في فراشِه، واتُّخِذَ طريقٌ جنوبيٌّ غيرُ مألوفٍ نحو غارِ ثورٍ، على عكسِ الطَّريقِ الشَّماليِّ المعتادِ نحو المدينةِ، وقام عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ بنقلِ أخبارِ قريشٍ، وأسماءُ بنتُ أبي بكرٍ بنقلِ الطَّعامِ (ولُقِّبتْ بذاتِ النِّطاقين)، وعامرُ بنُ فهيرةَ برعيِ الغنمِ خلفَهما لإخفاءِ آثارِهما، وعبدُ اللهِ بنُ أريقطَ ليكونَ دليلًا للرِّحلةِ، فتمَّتْ على خيرٍ، ووصل النَّبيُّ ﷺ إلى المدينةِ المنوَّرةِ، واستقبلَه الأنصارُ بالفرحِ والسُّرور، وبدأ فورًا في إرساءِ قواعدِ المجتمعِ الجديدِ في هذه التُّربةِ الصَّالحة.     

فبدأ ببناءِ المسجدِ النَّبويِّ الشَّريفِ؛ ليكونَ مركزًا للعبادةِ، والتَّشاورِ، وإدارةِ شؤونِ المسلمين، ثمَّ بعد ذلك قرَّر المؤاخاةَ بين المهاجرين والأنصارِ، في نموذجٍ فريدٍ من التَّكافلِ الاجتماعيِّ أنهى العصبيَّاتِ القبليَّةَ التي كانت موجودةً فيما بينهم.     

إنَّ الهجرةَ النَّبويَّةَ لم تكن مجرَّدَ حادثةٍ تاريخيَّةٍ عابرةٍ، بل كانت بدايةَ بزوغِ فجرِ الحضارةِ الإسلاميَّةِ، ولأهمِّيَّتها البالغةِ، اختارها الصَّحابةُ في عهدِ الخليفةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه لتكونَ مبتدأَ التَّقويمِ الهجريِّ؛ لتظلَّ ذكراها متجدِّدةً في نفوسِ المسلمين، تُلهمُهم قيمَ الصَّبرِ، والتَّخطيطِ، والأملِ، وبناءِ الأوطان.

 

ترشيحاتنا